رأي

8 مارس.. مغرب “نون النسوة” الذي نريد

8 مارس.. مغرب “نون النسوة” الذي نريد

يأتي اليوم العالمي للمرأة هذا العام في سياق خاص بالمغرب، حيث يتزامن مع إطلاق ورش مراجعة مدونة الأسرة، وهو ورش كبير يعكس الاهتمام البالغ الذي يوليه جلالة الملك محمد السادس لقضايا المرأة والأسرة، باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية في مشروع الإصلاح الذي يقوده جلالته منذ اعتلائه العرش، وهو ما تجسد في مختلف المبادرات والتعديلات القانونية التي سعت إلى تمكين المرأة وتعزيز مكانتها في جميع المجالات، من الأسرة إلى السياسة، ومن الاقتصاد إلى مراكز القرار.

على مدى ربع قرن، أبان جلالة الملك عن التزام واضح بدعم قضايا المرأة، وفسح المجال أمامها للمشاركة الفعالة في بناء مغرب أكثر عدالة وإنصافًا. ويظهر ذلك من خلال تأكيده المتكرر على ضرورة “المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات”، وفق ما جاء في أحد خطاباته الملكية، حيث شدد على أن “بناء مغرب التقدم والكرامة، الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية”.

منذ توليه الحكم، أعطى عاهل البلاد عدة إشارات سياسية تعكس التزامه العميق بتقوية الحضور النسائي في المجال العمومي، سواء من خلال الإصلاحات القانونية أو دعم مشاركة المرأة في مناصب القرار. وكانت مدونة الأسرة، التي تم إصدارها بعد ثلاث سنوات فقط من توليه العرش، إحدى أولى الخطوات في هذا المسار الإصلاحي، حيث تضمنت تعديلات هامة تجاوزت العديد من الانتهاكات التي كانت تتعرض لها المرأة، سواء فيما يتعلق بالزواج، الطلاق، أو حقوق الأطفال.

غير أن التطبيق العملي لهذه المدونة أظهر وجود تحديات حالت دون تحقيق أهدافها بالكامل، وهو ما دفع جلالته إلى الدعوة لمراجعتها، في إطار مقاربة متوازنة تستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، وتأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب.

لم يتوقف المسار الإصلاحي عند مدونة الأسرة، بل تعزز مع دستور فاتح يوليوز 2011، الذي جاء في سياق مطبوع بتحولات إقليمية كبرى وشكل حينها لحظة استثنائية في تاريخ المملكة المغربية، حيث منح النساء مكتسبات ديمقراطية غير مسبوقة، من خلال تكريس المساواة والمناصفة كمبدأ دستوري، وإحداث مؤسسات جديدة مثل هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، بالإضافة إلى تطوير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ليشتغل وفق مبادئ باريس لحقوق الإنسان.

ورغم هذه المكتسبات، فإن تفعيل هذه المؤسسات ظل متأخرًا، وهو ما يجعل من مراجعة مدونة الأسرة فرصة سانحة ليس فقط لتعديل النصوص القانونية، بل أيضًا لتسريع تفعيل هذه الهيئات، بما يضمن التمكين الفعلي للنساء في مختلف المجالات، ويواكب الإصلاحات التشريعية بسياسات عمومية دامجة للنوع الاجتماعي، تضمن حقوقًا فعلية للنساء، وليس مجرد نصوص قانونية غير مطبقة على أرض الواقع.

لا يقتصر النهوض بحقوق المرأة على الإصلاحات القانونية فقط، بل يتطلب أيضًا تغيير العقليات وتعزيز بيئة مجتمعية وسياسية داعمة للمشاركة الفعلية للنساء.
إن مراجعة مدونة الأسرة اليوم ليست فقط محطة قانونية، بل هي لحظة سياسية ومجتمعية حاسمة لاستكمال البناء المؤسساتي لدولة الحق والقانون. فتمكين المؤسسات الدستورية المعنية بحقوق المرأة والأسرة من القيام بأدوارها، وتوفير بيئة قانونية وإدارية تضمن التطبيق الفعلي للنصوص، هو ما سيجعل هذه الإصلاحات تحقق الأثر المطلوب على أرض الواقع.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تفعيل المؤسسات المعنية بحقوق المرأة والأسرة، وضمان التطبيق الفعلي للنصوص القانونية، مع إشراك جميع الفاعلين، من مؤسسات الدولة إلى الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، من أجل خلق بيئة قانونية واجتماعية تمكّن النساء من التمتع بحقوقهن كاملة، وتضمن لهن دورًا حقيقيًا في بناء مستقبل البلاد.

إن المغرب الحديث الذي نسعى إلى ترسيخ مكانته كدولة ديمقراطية متقدمة، لا يمكن أن يحقق طموحاته دون مشاركة حقيقية ومتساوية بين الرجال والنساء في بناء مستقبله. ومع حلول هذا اليوم العالمي للمرأة، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل المكتسبات القانونية إلى واقع ملموس، يجعل من المساواة والمناصفة ليس فقط شعارات، بل قيمًا مؤسسة لمغرب أكثر عدالة وإنصافًا، قائم على المشاركة المتساوية والفعالة للجميع في بناء مستقبله.
وكل عام ونساء المغرب متألقات وبألف خير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News