“قضاة العدوي” يدعون “العمران” للتركيز على مهامها الأصلية واحترام الالتزامات التعاقدية

أوصى المجلس الأعلى للحسابات رئاسة الحكومة بالارتقاء بقيادة أوراش المدن الجديدة إلى مستوى استراتيجي يضمن اتساق التدخلات والالتقائية والتنسيق الفعال بين مختلف الأطراف المعنية، ووضع مخطط لتأهيل المدن الجديدة الحالية، وحث القطاع الوصي على مواكبة الجماعات المحتضنة لهذه المدن حتى تتمكن من ضمان سير المرافق العمومية بها.
كما أوصى المجلس وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بوضع إطار قانوني يتعلق بالمدن الجديدة، يحدد بشكل خاص كيفيات تصور وتصميم وتخطيط هذه المدن، وكذا حكامتها وتمويلها وإنجازها، مع ضبط عمليات التعمير في محيطها.
ومن جهة أخرى، أوصى المجلس مجموعة التهيئة العمران بإعادة تركيز شركات العمران المكلفة بمشاريع المدن الجديدة على مهامها الأصلية التي حددتها نصوصها التأسيسية ووضع آليات تمكن من احترام الالتزامات التعاقدية للشراكة مع المنعشين العقاريين الخواص وذلك عبر التحديد القبلي للضمانات اللازمة للتنفيذ الأمثل لاتفاقيات الشراكة.
واعتبر مجلس العدوي في تقرير حديث له، اطلعت عليه جريدة “مدار21” الإلكترونية، إحداث المدن الجديدة تامنصورت وتامسنا والخيايطة والشرافات من بين المبادرات التي تهدف إلى تخفيف الضغط على المدن الكبرى، وخلق دينامية ترابية، ومواجهة تحديات النمو الديمغرافي والمجالي.
وبخصوص تصور وتصميم المدن الجديدة، سجل المجلس أن إحداثها تم في غياب أي اتساق مع توجهات وثائق إعداد التراب الوطني والتعمير، وذلك لكون المخطط الوطني الإعداد التراب، الصادر سنة 2002، لم يوص بإحداث مدن جديدة، كما أن التصاميم الجهوية لإعداد التراب، لم تأخذ هذه المدن الجديدة بعين الاعتبار في توجهاتها وإسقاطاتها المجالية.
وأشار المصدر نفسه، أن إحداثها اعتمد بشكل أساس منطقا خاضعا لتوفر الفرص العقارية، وتم التعامل مع مشاريعها، وفي غياب إطار قانوني يؤطر المدن الجديدة، كأنها تجزئات عقارية، وذلك رغم الاختلاف في المفاهيم والمقاييس، وبالنظر إلى التعقيدات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي يتميز بها إحداث هذه المدن.
في هذا الصدد، أشار المجلس إلى أن إحداث المدن الجديدة، سالفة الذكر، لم يندرج ضمن إطار استراتيجي موثق يحدد الأهداف المتوخاة ومؤشرات تتبع الأداء والميزانية المرصودة وجدولا زمنيا واقعيا للإنجاز.
ولفت إلى أن المجلس الوطني للإسكان كان قد أكد، سنة 2004، على أهمية إجراء دراسات اجتماعية واقتصادية تهدف إلى تعزيز وإعادة هيكلة المنظومة الحضرية على المستويين الوطني والجهوي، غير أن إطلاق مشاريع المدن الجديدة لم يستند إلى دراسات اجتماعية واقتصادية لتحديد تموقعها، ولضمان الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لإحداثها.
وأبرز أن وفرة العرض من الوحدات السكنية على مستوى المدن الجديدة تعد نتيجة لاستثمارات الدولة في البنية التحتية والتجهيزات الكبرى، إلا أن فتح مناطق جديدة للتعمير في محيط هذه المدن، وخاصة من خلال مسطرة الاستثناءات، أثر على عرض الوحدات السكنية بها، بسبب المنافسة التي فرضتها المشاريع السكنية الأخرى الموازية، علما أن هذه الأخيرة استفادت من البنية التحتية للمدن الجديدة.
وعلى صعيد آخر، اعتبر تقرير المجلس أن التدبير المؤسساتي للمدن الجديدة من قبل القطاع المكلف بالسكنى لوحده لا يتوافق مع تعدد المتدخلين بها وطبيعتها المتعددة القطاعات، مما لا يسمح بتوفير ضمانات معقولة حول توافق رؤى جميع الفاعلين. وقد أثر غياب مخطط حكامة خاص بالمدن الجديدة على المستويين المركزي والترابي سلبا على تضافر الجهود بين القطاعات الوزارية المعنية، وتوافق رؤيتها الاستراتيجية حول أساليب إنتاج وتدبير هذه الفضاءات العمرانية الجديدة.
وفي ما يتعلق بتمويل وتدبير المدن الجديدة، أوضح المجلس أنه تم إحداثها في غياب تصور لخطة تمويل تلائم حجم الاستثمارات المطلوبة، حيث لم يتم تخصيص أي نظام تمويل ملائم خاص بالمدن الأربعة المذكورة. ويرتكز تمويل إنشاء المدن الجديدة بشكل أساسي على القطاع الخاص، إذ تم الاعتماد على الشراكة مع المنعشين العقاريين في جميع المدن الجديدة مما نتج عنه في بعض الحالات صعوبات في تنفيذ الاتفاقيات، فحتى متم سنة 2023، من أصل 88 اتفاقية شراكة مع القطاع الخاص على مستوى المدن الجديدة الأربعة، تم فسخ %52 منها. وقد أدت هذه الوضعية إلى نمو غير متوازن لهذه المدن، يتسم بتطور متفاوت للنسيج العمراني.
وبحسب تقرير مجلس العدوي، نتج عن ذلك ضعف تملك مشاريع المدن الجديدة من قبل الجماعات ذات الطابع القروي، التي تنتمي إليها مجموعة من الإشكاليات المتعلقة بتدبيرها. ذلك أنه لم تتم مواكبة التحولات المجالية بهذه المدن بالوسائل اللازمة التي تسمح للجماعات المعنية بتولي مهام جديدة تتعلق بتدبير فضاءات ذات طابع حضري الإنارة العمومية، والمساحات الخضراء، وأشغال صيانة الطرقات، وجمع النفايات، إلخ.)، مشيرا إلى أنه، وحتى نهاية سنة 2023 تحملت مجموعة التهيئة العمران مبلغا إجماليا يناهز 305 ملايين درهم لتدبير مختلف الخدمات الأساسية بالمدن الجديدة.
أما في ما يخص حصيلة الإنجازات وآفاق التنمية، كشف المجلس أن مجموع عدد سكان المدن الجديدة الأربعة، وإلى غاية نهاية سنة 2023، بلغ ما يناهز 169.036 ألف نسمة، أي ما يعادل %17 فقط من الهدف المتمثل في مليون نسمة عند نهاية إنجاز هذه المدن.
وبلغ إجمالي عدد الوحدات السكنية المنجزة 71.486 وحدة، أي بنسبة 20% فقط من الهدف المحدد في 350 ألف وحدة سكنية. كما أنه من بين 659 مرفقا عموميا وخاصا مبرمجا، تم بناء 169 فقط، منها 150 مرفقا مشغلا، أي بنسبة إنجاز لا تتعدى 26% وبنسبة تشغيل في حدود .%23
وقد بلغ إجمالي الاستثمارات المنجزة في المدن الجديدة، وفق ما جاء في التقرير، وحتى نهاية سنة 2023، حوالي 24,4 مليار درهم، أي ما نسبته 58% من إجمالي الاستثمارات المقررة والبالغ 42,2 مليار درهم. ويُقدَّر إجمالي مخزون مجموعة التهيئة العمران الذي لم يتم تسويقه في المدن الجديدة، بما قيمته حوالي 5.9 ملايير درهم.
ومن أجل تدارك التأخير الحاصل في إنجاز التجهيزات، يشير التقرير إلى أنه تم إبرام اتفاقيات شراكة وتمويل في إطار مخططي إقلاع وتنمية مدينتي تامسنا وتامنصورت على التوالي سنتي 2013 و2014. فعلى مستوى مدينة تامنصورت وصل المبلغ الإجمالي المقرر تعبئته إلى مليار و357 مليون درهم، حيث بلغت كلفة مشروع المركب الجامعي لوحده مليارا و100 مليون درهم، أي بنسبة 81% من المبلغ الإجمالي. وعلى مستوى مدينة تامسنا، وصل المبلغ الإجمالي المقرر تعبئته إلى 538 مليون درهم.
وأكد أنه تم تحديد أجل لتنفيذ خطة الإقلاع في خمس سنوات (2013-2017)، إلا أنه ورغم الجهود المبذولة والإنجازات التي تحققت منذ 2017، فإنه إلى غاية نهاية 2023 كانت بعض المشاريع لازالت قيد الإنجاز، كمركز الندوات والقطب التكنولوجي بسبب ضعف تقدير الموارد المالية اللازمة.





