نجوم بلا مواقف انتخابية معلنة.. هل يخشى الفنانون الاصطفاف السياسي؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود الحديث بشأن حضور الفنان في النقاش السياسي إلى الواجهة، ليس فقط من بوابة الانخراط الحزبي، وإنما أيضا من خلال مدى استعداد الفنانين للتعبير عن مواقفهم من البرامج الانتخابية والأداء الحكومي وخياراتهم في التصويت.
غير أن محاولة استقراء مواقف عدد من الفنانين المغاربة تكشف عن قدر كبير من التحفظ في الحديث عن السياسة، إذ على الرغم من حضورهم اللافت في النقاشات والقضايا المجتمعية، يفضل كثير منهم عدم الكشف عن اختياراتهم الانتخابية أو تقييمهم للبرامج التي تتنافس عليها الأحزاب، ما يعيد النقاش بشأن حدود العلاقة بين الفنان والسياسة، وما إذا كان النجوم يفضلون الحفاظ على مسافة من التجاذبات السياسية خشية انعكاس مواقفهم على صورتهم لدى الجمهور.
وفي حديث لجريدة “مدار21” مع عشرات الفنانين حول الانتخابات المقبلة، تحفظ أغلب من تم التواصل معهم عن الإدلاء بمواقف صريحة بشأن البرامج الانتخابية، أو الكشف عما إذا كانوا سيشاركون في التصويت، إلى جانب تقييمهم للعمل الحكومي وطموحاتهم بشأن المرحلة المقبلة.
وكان الممثل سعد موفق من بين القلائل الذين اختاروا الحديث عن الموضوع، وإن بقدر من التحفظ، إذ دعا المواطنين إلى المشاركة في الانتخابات والتصويت، معتبرا أن الانخراط في العملية الانتخابية يتيح للمواطنين المساهمة في صناعة القرار، لكنه تجنب في المقابل إبداء رأيه في البرامج الانتخابية المطروحة، إضافة لعدم رغبته في الكشف عن موقفه الشخصي من أداء الحكومة أو عن انتظاراته من المرحلة المقبلة.
وبينما يفضل عدد من الفنانين، عند سؤالهم عن الانتخابات والبرامج الحزبية وأداء الحكومة، الاحتفاظ بمسافة عن إبداء مواقف سياسية صريحة، يرى الناقد الفني مصطفى الطالب أن المشكلة لا تكمن في ابتعاد الفنان عن الأحزاب بقدر ما تكمن في ابتعاده عن السياسة نفسها، إذ بالنسبة إليه، استقلال الفنان عن الاصطفاف الحزبي لا ينبغي أن يتحول إلى انسحاب من النقاش العمومي، ولا إلى تخلي عن مسؤوليته كمواطن وفاعل ثقافي قادر على التعبير عن قضايا مجتمعه.
ويرى الطالب في تصريح لجريدة “مدار21” أن انخراط بعض الفنانين، وإن كان عددهم محدودا، في الأحزاب السياسية خلال السنوات الأخيرة، يظل أمرا مقبولا من زاوية حرية الفرد وحقه، كمواطن، في الولوج إلى المجال السياسي والانتماء إلى الحزب الذي يختاره، غير أن التجربة، وفق رأيه، أظهرت أن انتماء الفنان إلى حزب سياسي قد يحد من حريته ويؤثر في استقلاليته وإبداعه، خصوصا عندما يجد نفسه أمام حزب لم يفِ بوعوده الانتخابية، ما قد يضع الفنان في موقف حرج أمام جمهوره.
ويقول الناقد إن الفنان “عليه أن يظل مستقلا عن الشأن الحزبي، وليس عن الشأن السياسي”، موضحا أن الابتعاد عن الانتماء الحزبي لا يعني أن يتخلى الفنان عن امتلاك رؤية سياسية تجاه قضايا بلده، باعتباره مواطنا وفاعلا ثقافيا وفنانا.
ويعتبر الطالب أن الفنان مطالب بأن تكون له رؤية سياسية، منتقدا في المقابل الاعتقاد السائد في المجتمعات العربية بأن الفن منفصل عن السياسة، إذ يرى أن هذا التصور ترسخ، في السنوات الأخيرة، مع تنامي الاهتمام بما هو فردي واجتماعي وشخصي، بينما “الفن سياسي” من وجهة نظر فلسفية، لأن الفنان حين يلامس قضايا الإنسان فإنه يتعامل بالضرورة مع قضايا شاملة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية.
ويضيف أن المبدع، باعتباره إنسانا يمتلك رؤية خاصة، يمكنه أن يساهم في النقاش واقتراح الحلول لمجموعة من المشكلات التي يعيشها المجتمع، وإن كان دوره مختلفا عن دور السياسي أو المسؤول عن تدبير الشأن العام، إذ يضيف قائلا “يجب على الفنان أن يبدي رأيه مهما كلفه الأمر”، معتبرا أن الأمر يتعلق هنا بالفنان المسؤول والملتزم بقضايا وطنه، وليس بالفنان الذي يتعامل مع الأمر بمنطق المصلحة والربح المادي فقط.
ولا تبدو علاقة الفنانين بالسياسة جديدة في المشهد المغربي، إذ اختار عدد منهم، على امتداد ولايات حكومية سابقة، الانخراط في أحزاب سياسية، وبعضهم خاض تجربة الترشح أو تولى مهام حزبية، ما جعلهم أكثر حضورا في النقاش السياسي، لكنه أثار في المقابل نقاشا حول تأثير الاصطفاف السياسي على صورتهم الفنية وعلاقتهم بالجمهور.
وفي الولاية الحكومية الحالية، التي تقترب من نهايتها خلال الأسابيع القليلة المقبلة، برزت أسماء فنية اختارت بدورها دخول المعترك السياسي والحزبي، من بينها فاطمة خير، وكليلة بونعيلات، وسعيد آيت باجا، وبنعيسى الجيراري، في تجربة أعادت طرح النقاش بشأن العلاقة بين الشهرة الفنية والممارسة السياسية، وحدود انتقال الفنان من المنصة الفنية إلى المجال الحزبي.
وفي هذا الصدد، يشدد الطالب على أن الفنان “ابن بيئته” الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، إذ لا يمكن فصله عن القضايا التي يعيشها مجتمعه، معتبرا أن ابتعاد الفنان عن السياسة، أو في المقابل اقترابه من الأحزاب وتماهيه مع توجهات الحكومات، قد يكون خيارا غير صحي، لأن الحكومات، بحسب تعبيره، “قد تخطئ وقد لا تلتزم بوعودها”.
ويستحضر الناقد، في هذا السياق، ما يعتبره اختلالات مرتبطة بقطاع الثقافة، مشيرا إلى ما وصفه بمشكلات يعاني منها فنانون، من بينها صعوبة حصول بعضهم على بطاقة الفنان، التي يرى أنها لا تقدم لهم، في وضعها الحالي، ما يكفي من امتيازات أو حماية.
ويؤكد أن الفنان جزء من المجتمع، وأن مسؤوليته لا تقتصر على تقديم أعمال فنية للترفيه، بل تمتد إلى ملامسة قضايا الناس والتعبير عن مواقفهم وانشغالاتهم، إذ بحكم امتلاكه صوتا مسموعا وتأثيرا لدى شريحة واسعة من الجمهور، يرى أن الفنان قادر على المساهمة في تنبيه المسؤولين إلى مكامن الخلل وانتقاد السياسات العمومية عندما يرى أنها لا تخدم الصالح العام.
ويخلص الطالب إلى الدعوة إلى إعادة النظر في فكرة ابتعاد الفنان عن المجال السياسي، مؤكدا أن المطلوب ليس بالضرورة أن ينخرط الفنان في الأحزاب أو يتحول إلى فاعل سياسي، وإنما أن يحافظ على استقلاليته، وفي الوقت نفسه يمارس حقه في إبداء الرأي والانخراط في القضايا التي تهم المجتمع والوطن.





