فرنسا تخطب ودّ المغرب لاستعادة الثقة..الخلفي: السياسة تُمارس واقعيا

عادت فرنسا مجددا، لتبعث إشارات إيجابية متتالية للتأكيد على إرادتها في فتح صفحة جديدة مع المغرب، حيث شدد وزير الخارجية الفرنسي، المعين حديثا، ستيفان سيجورنييه، أهمية العلاقات بين باريس والرباط “بل وضرورتها”، معربا عن “إرادته” في إعادة بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين.
وقال سيجورني خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية الفرنسية: “الإرادة موجودة.. لقد أعدت الروابط مع المغرب، في الماضي كانت هناك بعض الاحتكاكات التي أدت إلى صعوبات.. لكن علاقتنا مع المغرب مهمة للغاية، بل أساسية وضرورية”.
وفي نفس السياق وردا على سؤال تدور رجاه حول العلاقات المغربية الفرنسية، أشار رئيس الدبلوماسية الفرنسية إلى أن بلاده تتطلع إلى بناء ثقة جديدة مع الرباط، معتبرا أن ذلك يخدم مصلحة كل من فرنسا والمغرب، ومشددا على ضرورة “بناء جدول أعمال سياسي جديد بين الرباط وباريس”.
وختم وزير الخارجية الفرنسي خلال الاجتماع المذكور “أعتقد أننا يمكن أن نفعل بشكل أفضل وبشكل مختلف هذه المرة”، معربا عن رغبته في الحوار المفتوح مع المسؤولين السياسيين المغاربة “بشكل شفاف مع احترام جميع الأطراف”.
السياسة على أرض الواقع
مصطفى الخلفي، الناطق السابق باسم الحكومة المغربية، والقيادي في حزب العدالة والتنمية، اعتبر أن كل ذلك يبقى “مجرد تصريحات والسياسة تمارس على أرض الواقع”، مسجلا أنه ورغم أن موقف فرنسا في اجتماع مجلس الأمن الأخير وتصريح السفير الممثل الدائم لها، إلا أنها تأبى تجاوز الموقف الذي عبرت عنه في 2007 في ملف الصحراء المغربية وتعتبره الحد الأقصى، بل وتضع القضية في سياق معادلة بين المغرب والجزائر، في حين أن الأمر عكس ذلك”.
وأشار الخلفي خلال استضافته ضمن برنامج “مع يوسف بلهيسي”، الذي يبث مساء اليوم الجمعة على منصات “مدار21″ الإلكترونية، إلى إن هذا السياق ما يميز المقاربة الأمريكية مع الرئيس السابق دونالد ترامب وما بين الرئيس الحالي جو بايدن، حيث يعتبر الأول الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء إرساء لوضع جديد تنخرط فيه الأطراف من أجل نقاش حول الحكم الذاتي، والثاني يشهر ورقة المساواة، نعم لم نغير موقفنا ولكن في نفس الوقت هنالك حل سياسي في إطار الأمم المتحدة على أساس أن هناك حل وهو الحكم الذاتي”.
ويرى الناطق السابق باسم الحكومة المغربية أن الاستراتيجيات القديمة للقوى الكبرى “فرق تسود” مازالت حاضرة، مشددا على أن المطلوب هو استغلال الشروط والفرص للجسم وتأسيس وضع جديد”، وأورد: “والفعل هذا ما قمنا به لأنهم يريدون إطالة نزاع ونحن نريد تعزيز الشروط التي تجعل من خطوة الانفصال مستحيلة.. وفعلا عندما نقارن وضع السبعينات مع الآن هناك تحول كبير”.
وأكد القيادي في حزب “المصباح” أن هناك توجها يقوم على جعل المنطقة عبارة عن “دويلات فاشلة” ومشاريع دويلات قادمة، مضيفا :” هذا رأيناه في السودان ونراه الآن في ليبيا (تقسيم ليبيا لثلاثة دويلات) ونراه على مستوى شمال مالي والجزائر كذلك، وفي اليمن والعراق”.
وبخصوص إمكانية استهداف المغرب، سجل المتحدث ذاته، أنه لا توجد دولة في منأى عن هذه المشاريع، مستشهدا بمقتطف من خطاب الملك محمد السادس في 2016 بالرياض، والذي تساءل فيه بشكل مباشر “ماذا تريدون منا؟”.
ولفت مصطفى الخلفي، إلى أن عالم مستقبليات المغربي، المهدي المنجرة، حذر من هذه المشاريع في التسعينيات في كتابه “الحرب الحضارية”، معتبرا أنها بدأت تطبق في المنطقة وهو ما يتبث أنها مستهدفة، قائلا :” نعم هناك مشاريع تقسيمية، وجنوب إفريقيا اذا كانت صادقة مع نفسها في دعم الشعب الفلسطيني عليها أن تدعم الشعب المغربي ضد مشروع تقسيمي يستهدفه”.
محاولات سابقة
وكان سيجورنيه قد أعلن، قبل أسبوع، في حوار له مع صحيفة “ويست فرنس”، أنه بناء على طلب من الرئيس ماكرون سيعمل “شخصياً” على التقارب بين باريس والرباط، موضحاً أن ماكرون طلب منه “كتابة فصل جديد” في العلاقات الفرنسية المغربية، مفيدا أنه أجرى العديد من الاتصالات منذ توليه المنصب في 12 يناير الماضي.
وبينما تأتي المواقف الفرنسية غير الواضحة من قضية الصحراء المغربية ضمن أهم أسباب الخلاف القائم بين باريس والرباط، أبدى سيجورني رغبة بلاده في حل الملف بطريقة دبلوماسية، مؤكدا “في الماضي، كنا دائما في الموعد، حتى في أصعب القضايا مثل قضية الصحراء، حيث كان دعم فرنسا الصريح والمستمر لخطة الحكم الذاتي المغربية واقعا منذ عام 2007″، مشيرا إلى رغبته في “تحمل أولويات مشتركة، وكتابة صفحة جديدة، وإعداد جدول أعمال جديد بيننا”، معربًا أيضًا عن رغبته في “استعادة الثقة” لدى المغرب.
ويأتي التعبير عن هذه الرغبة من طرف الخارجية الفرنسية بعد ما يناهز عشر سنوات من التوتر، بدأت منذ فبراير 2014 بعد توجيه اتهامات لعبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، ثم جاءت قضية “بيغاسوس” واتهام المغرب باستخدام هذا البرنامج الإسرائيلي للتنصت على الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه في عام 2019.
وينضاف إلى ذلك محاولة الرئيس الفرنسي اللعب على الحبلين من خلال نهج سياسة للتقارب مع الجزائر في توقيت حساس عمدت خلاله الجزائر إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط في عام 2021، وتصعيد مناوراتها ضد الوحدة الترابية للمملكة المغربية.
وبلغت الأزمة بين الرباط مستوى كبيرا خلال شتنبر الماضي، بعدما قرر المغرب تجاهل عرض فرنسا مساعدتها بعد زلزال الحوز الذي أسفر عن مقتل ما يقرب من 3000 شخص وإصابة 6000 آخرين. ما أدخل العلاقات بين البلدين طريقا مسدود قبل أن يعتذر السفير الفرنسي في المغرب علنا في نوفمبر ويتم تعيين سفيرة للمغرب في فرنسا بعد أشهر من الفراغ.
ويعد ملف الصحراء المغربية أولوية بالنسبة للمملكة في نسج التحالفات والعلاقات مع باقي الدول، ما يفرض على فرنسا إبداء مواقف متقدمة في الموضوع لبعث رسائل للرباط، وهو الأمر الذي يتطلب من رئيس الدبلوماسية الفرنسية جهدا كبيرا، خاصة مع الابتزاز الذي تحاول الجزائر ممارسته مع عدد من الدول فيما يخص علاقاتها بالمغرب، وهذا ما أظهرته محاولات الضغط الفاشلة التي مارستها مع إسبانيا بعد توصلها إلى مراحل متقدمة من الشراكة مع المغرب.





