التويزي أمام اختبار استقلالية البرلمان وتعزيز الرقابة على الحكومة

فتح انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب، مع انطلاق الولاية التشريعية الجديدة، نقاشا حول قدرة المؤسسة التشريعية على مواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى، خصوصا في قطاعي التعليم والصحة، وتجويد العمل التشريعي وتعزيز الرقابة على الحكومة، فضلا عن رهانات استقلالية البرلمان في ظل التوازنات السياسية بين الأغلبية والمعارضة.
وأكد رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن أبرز الرهانات التي تواجه مجلس النواب هي مواكبة الأوراش الإصلاحية الكبرى، خصوصا في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتقاعد والاستثمار والتنمية الترابية، من خلال سن تشريعات تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية وتعالج الإشكالات المجتمعية.
وأوضح لزرق أن تحقيق هذه الرهانات يقتضي الانتقال من منطق الإنتاج التشريعي الكمي إلى منطق النجاعة التشريعية، بما يجعل جودة القوانين وانسجامها مع الدستور وقابليتها للتنفيذ معايير أساسية لتقييم الأداء البرلماني، مع ضرورة تعزيز المبادرة التشريعية للبرلمانيين، وتجويد النقاش داخل اللجان الدائمة، وتجاوز المصادقة الشكلية على مشاريع القوانين نحو اعتماد مقاربة تقوم على دراسة الأثر والتقييم والاستشراف.
وشدد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية على أن التحدي الجوهري يكمن في إعادة الاعتبار للوظيفة الرقابية باعتبارها اختصاصا دستوريا مستقلا، لا يقتصر على المعارضة ولا يتعارض مع الانتماء إلى الأغلبية الحكومية، مؤكدا أن البرلمانيين، بمختلف انتماءاتهم السياسية، مطالبون بمساءلة الحكومة وتتبع تنفيذ القوانين والبرامج العمومية.
ودعا في هذا الصدد إلى تطوير آليات المساءلة وتعزيز فعالية اللجان البرلمانية وتقييم السياسات العمومية بناء على نتائجها وانعكاساتها الفعلية على المواطنين، معتبرا أن الرهان الأساسي يتمثل في تكريس برلمان يمارس وظائف التشريع والرقابة والتقييم بصورة متكاملة، بدلا من الاكتفاء بمواكبة الاختيارات الحكومية وإضفاء المشروعية التشريعية عليها.
وبخصوص دور الرئاسة الجديدة، أبرز لزرق أن تعزيز استقلالية مجلس النواب ونجاعة أدائه يقتضي التمييز بين الانتماء السياسي لرئيس المجلس والطبيعة المؤسساتية للمهام التي يتولاها، موضحا أنه رغم انتخاب الرئيس وفق منطق الأغلبية، فإن ممارسة اختصاصاته ينبغي أن تقوم على الحياد المؤسساتي وضمان التطبيق السليم للدستور والنظام الداخلي.
وأضاف أن رئيس مجلس النواب، بمجرد انتخابه، يصبح مسؤولا عن حسن سير المؤسسة التشريعية بمختلف مكوناتها، وليس ممثلا للأغلبية التي صوتت لصالحه فحسب، مشددا على ضرورة ضمان حقوق الأغلبية والمعارضة، وتكافؤ الفرص في ممارسة الاختصاصات البرلمانية، وتدبير النقاش داخل المجلس بما يعزز الثقة في المؤسسة التشريعية واستقلاليتها عن السلطة التنفيذية.
وأوضح أن استقلالية البرلمان لا تتحقق بمجرد تغيير رئاسته، وإنما تستلزم إرادة سياسية مشتركة وممارسة مؤسساتية قائمة على مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها، مشيرا إلى أن انسجام الأغلبية الحكومية والبرلمانية قد يساهم في تحقيق الاستقرار والفعالية التشريعية، لكنه قد يؤدي، في غياب رقابة فعلية، إلى إضعاف الاستقلالية المؤسساتية للبرلمان.
واعتبر أن الاختبار الحقيقي لرئاسة أحمد التويزي يتمثل في قدرتها على التوفيق بين متطلبات الاستقرار السياسي وضرورات الاستقلال المؤسساتي، وتعزيز دور المعارضة باعتبارها طرفا أساسيا في تحقيق التوازن داخل المجلس، وتحويل التعددية السياسية إلى آلية لتجويد التشريع وتقوية الرقابة على العمل الحكومي.
وخلص لزرق إلى أن قوة المؤسسة التشريعية لا تقاس بمدى انسجامها مع الحكومة، وإنما بقدرتها على ممارسة اختصاصاتها الدستورية باستقلالية ومسؤولية، دون أن يتحول التعاون بين السلط إلى تبعية، أو يؤدي الاختلاف السياسي إلى تعطيل العمل المؤسساتي.





