إصدار جماعي يناقش صور حضور المرأة بالفضاء الصوفي وحقها في القيادة الروحية

“أبعاد صوفية غير مغلقة وتأنيث المرأة للفضاء الروحي”، كتاب حديث صدر خلال هذا الأسبوع بألمانيا، يتناول في 400 صفحة، إشكالات حضور المرأة في الفضاء الصوفي، وكيف تؤثث المرأة هذا الفضاء الروحاني وتعيد صياغته وفق رؤيتها الأنثوية ذات الدفقة الشعورية والعاطفية العالية.
ويطرح الكتاب وفق محرره الدكتور خالد التوزاني في تصريح لجريدة “مدار21″، جملة من القضايا الشائكة من قبيل “الزعامة الدينية للمرأة، وهل يحقّ لها القيادة الروحية، خاصة إذا استحضرنا الخطاب الفقهي وكيف وضع شروطاً لتفاعل المرأة مع مختلف الفضاءات”.
ويقف الكتاب على مختلف الفروقات بين رؤية التصوف للمرأة ورؤية الفقه، ومساحة الحرية المتاحة، وذلك دون الوقوع في فخ المقارنة المفضية إلى إصدار الأحكام، لأن الغاية هي التفسير والفهم وتحديد السمات العامة المميّزة لكل خطاب، وطبيعة الفضاء الروحي، القائم على السباحة في بحر التوحيد، والتساؤل عن مكانة المرأة في عوالم الروح الخفية، يضيف التوزاني.
ويرى المتحدث ذاته أن البحوث العلمية التي تناولت حياة نسوة سائحات زاهدات وعارفات، تعد قليلة بالنظر إلى المساحة الواسعة التي تحتلها المرأة في العمارة الروحية، داخل فضاءات التصوف في مختلف البيئات والثقافات، قديماً وحديثاً، وربما أيضاً عبر الأديان واللغات، لأن الجانب الروحي يتجاوز حدود الجغرافية الفكرية أو التاريخية، بل يمتد أحياناً عبر الزمن الروحي الذي لا يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بالأحاسيس والمشاعر التي تنبثق من التجربة الروحية وتحتاج في اكتشافها إلى ذوق رفيع وحس دقيق وإلهام رباني وبصيرة تخترق حواجز الجسد والحيز، وهو ما طبع سيكولوجية المرأة، ويجعلها أقرب إلى المنابع الروحية من الرجل، بفطرتها، وبشفافية رؤيتها، ولذلك ارتبطت الحكمة الصوفية بالنساء، ولم يكن يتذوق الرجل هذه الحكمة إلا من خلال المرأة بوصفها رمزاً أو موضوعاً للتأمل وجسراً للعبور نحو العالم الآخر الخفي.
ويضيف: “حفل التاريخ الإنساني في المجال الروحي بالعديد من القصص الغريبة والعجيبة، والتي تكشف عن عمق الإحساس عند النساء، وكيف نبغ منهن الكثيرات اللواتي اشتهرن بالحكمة والدهاء، وعندما يلجن عوالم التصوف، يكون لهن العطاء الأوسع الذي يفوق ما يقدمه الرجال، بل يقفن وراء صناعة الشيخ ويدبرن أمور الفضاء الروحي في أدق تفاصيله”.
لذلك، يواصل المتحدث ذاته: “تضمن كتاب أبعاد صوفية غير مغلقة وتأنيث المرأة للفضاء الروحي، جملة من روائع القصص والسير والنماذج في تاريخ المرأة الصوفية، كما يطرح أسئلة عميقة حول مؤهلات المرأة روحياً، وكيف تملك خزاناً من الجمال المعنوي المُبهر والغامض، الذي يفوق بكثير جمالها المادي من حيث الشكل الفريد، والذي لا يمثل بالنسبة للجمال الروحي إلا قمة جبل الجليد الذي لا يظهر منه إلا القمة، وأما الكتلة الأكبر فتختفي تحت الماء، جبال شاهقة، لا يبدو لنا منها إلا قمة جليدية صغيرة في عمق المحيط”.
ويقول خالد التوزاني: “معرفتنا بالمرأة محدودة جداً، وتبقى أسرارها أكبر من أن يُحاط بها، وخاصة ما له صلة بالمجال الروحي الخفي. حيثما أتى ذكر المتصوّفات في الإسلام يبرز اسم المتصوفة الشهيرة “رابعة العدوية”. وبغض النظر عن الاختلاف القائم حول بعض التفاصيل في سيرتها وبعض ما هو منسوب إليها من أقوال أو أشعار، ورغم ما تمثله من مكانة عظيمة في تاريخ التصوف الإسلامي نالتها بما أحدثت من نقلة للتصوف من الزهد إلى العشق الإلهي، فإن رابعة لم تكن استثناء نسائيّا في ميدان انفرد به الرجال”.
“إذ تمدّنا كتب التراث وعلى رأسها كتب المناقب والطبقات والتراجم بأسماء عدد كبير من النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي الممتدّ زمانيّاً ومكانيّاً، بما يعني حضوراً فاعلا للمرأة في هذا الميدان، اهتم الباحثون بدراسته ولا يزالون، سواء في العالم العربي والإسلامي أم في الغرب. بل إن كثيراً من سير العظماء، نقرأ فيها عن حضور المرأة وتأثيرها المباشر في توجيه حياة هؤلاء العظماء، حتى قيل: وراء كل رجل عظيم امرأة”.
واسترسل التوزاني: “يبدو أن الحياة الاجتماعية تمثل ذلك الجانب المسكوت عنه بالنسبة للمتصوّفات، أي دور المرأة كأم وزوجة، وتفاعلها مع المجتمع بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فمن ناحية كونها أما وزوجة تبرز خصوصية التصوّف النسائي عن تصوف الرجال، فالتصوف الذي يعني الخروج عن حدود الجسد وعالم المحسوس والتحليق في عالم الروح قد يتعارض مع تصور التفاصيل الحياتية العادية للمرأة، وتعكس بعض تراجم هؤلاء النسوة ما يمكن وصفه بالصراع بين رغبتها في التفرغ للعبادة والتبتّل وبين أعباء الحياة الزوجية وظروف الأمومة، فكان هناك تنازع بين وجوديها الاجتماعي والروحاني تطلّب ألوانا إضافية من المجاهدة والمكابدة عانتها المرأة لإدارة هذا الصراع والتحكم فيه، وعقد مصالحة بين الجانبين، مما كان يستحق التسجيل”.
ومن ناحية أخرى، يضيف خالد: “فرغم معاناة المرأة تشتتاً بين واجباتها الدنيوية وتطلّعاتها الروحية، لم تتخلّ عن دورها كزوجة وأمّ، أي واجباتها ومسئولياتها تجاه الزوج والأبناء، وذلك لحضور فكرة الاستخلاف والتكليف بالإعمار في ذهنها، ثم إحساسها بالمسؤولية الجسمية الملقاة على عاتقها، إذ لا يكفي أن تنجب الأبناء وترعاهم، بل تتعدى ذلك إلى التنشئة الروحية ومتابعة كل أفراد أسرتها ومحيطها، دون أن نغفل المرأة التي تفرّغت للعبادة وانقطعت لله، فكانت لها بصمات واضحة في الفضاء الصوفي، بقي الفضاء شاهداً على حياتها بعد مماتها، امرأة صالحة تُزار ويُذكر اسمها، والكثيرات لا يُعرفن، لأنهن اخترن حياة الخمول والظل والسّتر”.
ويوضح خالد التوزاني أن شيوخ التصوف الكبار، ومنهم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، نظروا إلى المرأة باعتبارها مركزا كونيا، وتجليا إلهيّا (..) لذلك يلج المتصوف إلى الله عبر المرأة بوصفها باب المحبّة والحنين إلى الحقّ.
ولفت التوزاني في حديثه للجريدة، إلى أن الكتاب موجه للباحثين وطلاب الدراسات العليا في الجامعات العربية بشكل عام، والأوروبية على وجه الخصوص، فضلاً عن القارئ العادي المُحبّ للأفكار الجديدة والمُلهِمة، لتضمن الكتاب على ملخصات باللغة الإنجليزية، لذلك يمكن اعتماد الكتاب مصدرا علميا عالميا.
أما بخصوص وصول الكتاب للمغرب والعالم العربي، فأكد خالد التوزاني أن ذلك سيكون عبر معارض الكتاب الدولي، إضافة إلى إمكانية اقتناء الكتاب عن بُعد.





