ثقافة

متحف بيرديكاريس بطنجة.. شاهد على تهديد الولايات المتحدة بقصف المغرب

متحف بيرديكاريس بطنجة.. شاهد على تهديد الولايات المتحدة بقصف المغرب

معزولاً عن العالم الخارجي، ومختفياً في عمق غابة غنَّاء صارت اليوم منتزهاً حضرياً يُعانق زُرقَة الأبيض المتوسط بالقرب من مدينة طنجة، قرر رجل أمريكي قبل قرن ونصف بناء قصر باذخ له، آملاً أن يكون في مناخ مضيق جبل طارق شفاء زوجته من داء عضال، ولم يشك الرجل للحظة في أنه سيُفجر بعدها بسنوات قليلة أكبر أزمة دبلوماسية بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، كادت الأخيرة تقصف مدينة طنجة على إثرها.  

الحديث عن أيون برديكاريس، الذي ولد بمدينة أثينا اليونانية عام 1840 أثناء تواجد والده باليونان وشغله منصب القنصل الأمريكي هناك.

في عام 1871 التقى برديكاريس بزوجته الإنجليزية إلين فارني، وفي السنة الموالية قررا الاستقرار بمدينة طنجة بعد إصابتها بداء السل، إذ كان بحّار أوروبي قد نصح برديكاريس بمناخ المدينة، بوصفه بلسماً لعلاج الداء القاتل آنذاك.

اشتغل برديكاريس رجل أعمالٍ بطنجة، واندمج فيها لدرجة المشاركة في إدارة شؤونها، كونه ترأس لجنة النظافة لـ5 سنوات، وفي وقت وجيز تمكن من الاستثمار في مشاريع جعلت منه صاحب أملاك وعقارات ضخمة بالمدينة.

وليس من شاهد على ازدهاره الاقتصادي أكبر من قيامه في عام 1878 بتشييد قصر على مساحة شاسعة تطل على مضيق جبل طارق، أطلق عليه اسم “أيدونيا”، وبات يُعرف حاليا بـ”قصر برديكاريس”، حيث اعتاد تنظيم لقاءات وحفلات مع كبار الشخصيات المغربية والأجنبية.

فضلا على كونه رجل أعمال، مارس برديكاریس مواهبه كرسام وكاتب، لكنه سيكتسب شهرته أساساً بالأزمة الدبلوماسية التي خلفها اختطافه في 18 ماي 1904 هو وربيبه،  كرومويل فارلي، حين استهدفت قوات الشريف أحمد الريسوني، زعيم التمرد في شمال المغرب، قصر أيدونيا.

وصفت زوجة برديكاريس الحادثة بالكلمات التالية: “بعد أن انتهينا من تناول وجبة العشاء وجلسنا في الصالون بحوالي 10 دقائق، إذا بنا نسمع صراخا آتيا من المطبخ (…)، توجهنا إليه، وإذا بنا أمام مجموعة من الرجال بداخله (…) حاولتُ المقاومة لكنهم طرحوني أرضا بينما وجهوا بنادقهم نحو رأس والدتي والبنات”.

يتعلق الأمر بقوات الشريف أحمد الريسوني، الذي ولد عام 1870 في قرية الزينات بشمال المغرب، ولقب بـ”نسر الزينات” نسبة لمكان ولادته ولاسيما ملامح وجهه. اعتبرته القوات الأجنبية زعيم عصابة، في وقت اعتُبر محلياً زعيما للمقاومة ضد القوات الأجنبية، ولقّب كذلك بـ”سلطان الجبال”، على يد المستكشفة روزينا فوريس.

دخل الريسوني في صراع مع زعيم مقاومة الريف الشهير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وفي يناير من عام 1925 هاجم رجال هذا الأخير قصر الريسوني وألقوا القبض عليه، وفي أبريل من نفس العام توفي على إثر مرض كان يعاني منه منذ سنوات.

وبالعودة إلى بيرديكاريس، فقد أجبر هو ورببيه على مرافقة رجال الريسوني راكبين على الخيل في رحلة طويلة انتهت بإطلاق سراحهما بعد قرابة شهر من المفاوضات بين الريسوني والسلطان مولاي عبد العزيز.

تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن برديكاريس أصبح صديقا لخاطفه أحمد الريسوني، إذ لم يكن رد فعل المخطوف، البالغ أنذاك من العمر 64 عاما، متوقعا رغم هول ما أصابه، لأنه فهم دوافع الريسوني وقدّر شجاعته.

کتب برديكاريس، وفق ما ترويه صحيفة “The Daily Mail” البريطانية في عددها 9063 الصادر بتاريخ 19 أكتوبر 1907: “سوف أذهب إلى حد القول أنني لم أندم على اعتقاله لي لبعض الوقت، فهو لم يكن قاطع طريق ولا مجرما، لكن وطنيا أجبر على القيام بتلك الأعمال لإنقاذ وطنه وشعبه من الاستبداد”.

حادثة اختطاف برديكاريس لم تمر مرور الكرام، بل شكلت ذريعة تم استغلالها بمكر شديد في الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي روزفلت، إذ أرسلت الإدارة الأمريكية برقية إلى ممثلها في طنجة تطالب فيها الريسوني بالإفراج الفوري عن الرهائن، ما دفع السلطان المغربي آنذاك، مولاي عبد العزيز، تحت الضغوطات والتهديدات الأمريكية للدخول في تفاوض مباشر مع الريسوني بغية إطلاق سراح رهينته.

القضية استغلت على نطاق واسع من قبل المعسكر الجمهوري لانتخاب ثيودور روزفلت في عام 1904، حيث أثيرت، فيما بعد، تساؤلات حول حقيقة الجنسية الأمريكية لأيون برديكاريس.

وصلت الأزمة بين ثيودور روزفلت، الرئيس الأمريكي، ومولاي عبد العزيز سلطان المغرب على إثر عملية الاختطاف حد تهديد واشنطن بقصف طنجة في حال عدم استجابة المخزن لمطالب الريسوني، ومن بينها دفع فدية تبلغ 70 ألف دولار وتعيين الريسوني باشا لمدينة طنجة، وفي الفترة ذاتها فاز ثيودور روزفلت بولايته الثانية في الانتخابات الأمريكية.

استجاب السلطان بعد بضعة أسابيع لمطالب الريسوني، فتم إطلاق سراح الرهائن بعد دفع الفدية، من بين أمور أخرى، وفقا للتمسماني محمد في كتاب: “برديكاريس / الرميلات تراث طبيعي فريد من نوعه بطنجة”، الصادر سنة 2011. وعلى إثر هذا الحادث، غادر أيون برديكاريس المغرب إلى إنجلترا، وتوفي بها عام 1925.

أعطی برديكاريس لإقامته طابعا معماريا أوروبيا بامتياز، ومنحها ديكورا داخليا ممثلا لزمانه ولثقافته الأصلية، ففي نهاية القرن التاسع عشر كان الخشب الداكن (الأكاجو) يغلب على الأثاث والديكور الداخلي للمنازل الأوروبية، وكانت الجدران مغطاة إلى النصف بالخشب.

القصر الذي تحول منذ بضع سنوات إلى متحف تابع لوزارة الثقافة، تم الحفاظ فيه على بعض العناصر الديكورية الأصلية، والتي تم ترميمها، وبالتالي لا يزال متاحا اليوم مشاهدتها، وأخرى غير أصلية لكنها عتيقة تم دمجها من باب الزينة وإحياءً للأجواء الداخلية لهذا المسكن في تلك الحقبة.

المتحف، الذي يمكن زيارته اليوم مقابل 30 درهماً، وبالمجان أيام الجمعة، لم يعد يقتصر على إحياء نمط عيش برديكاريس الباذخ آنذاك، بل استُغلت طوابقه العلوية للتحسيس بالتنوع الطبيعي والبيولوجي للمنطقة التي يقع فيها.

فعلى الجدران، تنتشر لافتات تقدم معلومات عن أبرز النباتات والأشجار والحيتان والحيوانات التي تزخر بها المنطقة، وتنبه للمخاطر التي تهدد التنوع الإيكولوجي الغني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News