ثقافة

“انتظار”.. أوديسة مسرحية مغربية تتألق في مهرجان بالشارقة

“انتظار”.. أوديسة مسرحية مغربية تتألق في مهرجان بالشارقة

شهدت الدورة التاسعة من “مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي”، التي اختتمت فعالياتها مساء أمس الاثنين، بمركز دبا الحصن الثقافي (إمارة الشارقة)، عرض المسرحية المغربية “انتظار” أو “أوديسة العصر” لفرقة المسرحيين المتحدين” التابعة لجمعية الفكاهيين المتحدين للثقافة والفنون بفاس.

وتعد مسرحية “انتظار”، التي مثّلت المملكة في هذه التظاهرة الثقافية المنظمة من طرف دائرة الثقافة التابعة لحكومة الشارقة، عملا ديودراميا معاصرا يستلهم روح ملحمة “الأوديسة” لهوميروس، ويعيد كتابتها داخل سياق إنساني راهن، حيث تتحول رحلة أوليس الأسطورية إلى رحلة صحفي ومصور حربي يجد نفسه عالقا وسط أهوال الحروب والنزاعات، بينما تبقى زوجته “بينيلوب” في الوطن، أسيرة الانتظار والخوف والوفاء.

ويتميز العرض ببنية ديودرامية تعتمد حضور شخصيتين مركزيتين فقط، مع توظيف مكثف للصوت والضوء والموسيقى والإسقاطات البصرية، بما يمنح العرض بعدا فرجويا معاصرا ينسجم مع تحولات المسرح الحديث وفنون الصورة والميديا، ويمنح المتلقي تجربة مسرحية تجمع بين البعد الإنساني والفلسفي والبصري والشعري في آن واحد.

يشار إلى أن المسرحية من تأليف محمد العلمي، ودراماتورجيا وإخراج محمد رضا التسولي، وتشخيص هاجر المسناوي وأيمن رحيم، فيما أشرف على السينوغرافيا محمد رضا التسولي، وتصميم الإضاءة آدم الصبير، وتصميم الملابس سلوى ياسين، وإدارة الإنتاج والمحافظة العامة أمين المربطي.

وفي تقديمه للعمل، يؤكد الكاتب محمد العلمي أن المسرحية تنطلق من ثنائية الغياب والعودة، وتشتغل على سؤال الإنسان المعاصر في مواجهة الحرب والحقيقة والذاكرة، من خلال بناء بصري وشاعري يمزج بين الأسطورة والواقع، وبين اللغة الشعرية والدراما النفسية.

وأضاف أن “أوليس” هنا ليس بطلا أسطوريا فحسب، بل شاهدا على مآسي العصر، يحمل كاميرته كوسيلة للمقاومة وكشف الحقيقة، بينما تتحول “بينيلوب” إلى رمز للوفاء والصبر وحماية المعنى الإنساني وسط انهيار العالم. كما يستثمر النص رموز الأوديسة الكلاسيكية ويعيد تأويلها داخل واقع الحروب والهجرة والاغتراب الإنساني، بما يجعل العمل يزاوج بين المرجعية الكونية والأسئلة الإنسانية الراهنة.

من جهته، أوضح المخرج محمد رضا التسولي، ضمن رؤيته الإخراجية، أن العرض يستند إلى “ذلك الجرح الإنساني القديم الذي عبر الأزمنة دون أن يندمل، جرح الرحيل الطويل والتيه والرغبة المستحيلة في العودة”، مشيرا إلى أن “العمل لا يسعى إلى اقتباس الأوديسة باعتبارها حكاية تاريخية، بل باعتبارها بنية إنسانية أزلية تتكرر كلما وجد الإنسان نفسه منفيا عن وطنه أو مطاردا بالخوف أو عالقا داخل حرب لا تنتهي”.

وأضاف أن “العرض ينقل الملحمة الإغريقية إلى قلب العالم المعاصر، حيث لم تعد الوحوش تسكن الكهوف، بل الحروب والخراب والحدود المغلقة، وحيث تتحول الصورة والكاميرا إلى وسيلة مقاومة ضد النسيان والصمت”.

يذكر أن جمعية الفكاهيين المتحدين للثقافة والفنون، التي تأسست في 2009 بفاس، راكمت تجربة مهنية وفنية متميزة في مجالات المسرح والتنشيط الثقافي والتكوين الفني، كما حصدت إشادة فنية ونقدية، من خلال مسرحية “فوضى” المتوجة بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح بتطوان سنة 2024، إضافة إلى تقديم عرض “تخرشيش” سنة 2025، ومسرحية “إيماجيناريوم” سنة 2026.

ويعد “مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي” (من 21 إلى 25 ماي الجاري)، من أبرز التظاهرات المسرحية العربية المتخصصة في مسرح “الديودراما”، لما يوفره من فضاء فني وفكري للاحتفاء بالتجارب المسرحية العربية المعاصرة، وتشجيع الأشكال المسرحية القائمة على التكثيف الجمالي والاشتغال العميق على الأداء واللغة والصورة.

وتميزت الدورة التاسعة من هذا المهرجان ببرنامج فني وثقافي متنوع جمع بين العروض المسرحية العربية والأنشطة الفكرية والتكوينية، بما يعكس مكانة المهرجان كفضاء للحوار المسرحي العربي وتبادل التجارب والخبرات الفنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News