فن

بعد الإشادة بأداء بطلته.. هل نجح التازي في كسب الرهان في “فاطمة، السلطانة التي لا تنسى”؟

في شريطه السينمائي الجديد، الذي عنونه بـ “فاطمة.. السلطانة التي لا تنسى”، تناول المخرج محمد عبد الرحمان التازي، السيرة الذاتية لعالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي، حيث جسدت شخصيتها الممثلة مريم الزعيمي. فهل نجح المخرج في كسب الرهان؟

التازي: الفيلم وفاء لصداقة دامت 50 سنة

وفي هذا الصدد، كشف المخرج المغربي عبد الرحمان التازي، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن تحضيره لهذا الشريط السينمائي، الذي يخوض به غمار مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ضمن فعاليات الدورة الـ22 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، استغرق منه أزيد من 5 سنوات، أي منذ عام 2017 إلى غاية شهر مارس 2022، إذ تراوحت هذه المدة بين التفكير في الموضوع، وكتابة السيناريو والاستعداد القبلي للتصوير، ثم مرحلتي المونتاج والصوت، مشيرا إلى أن هذا الأمر يعد طبيعيا كون الإنتاج السينمائي بالوسائل المتوفرة لدينا يتطلب أربع أو خمس سنوات على الأقل ليطابق شروط صناعة فيلم ينافس في السينما، حسب تعبيره.

وبخصوص فكرة إعداد شريط عن الراحلة المرنيسي، أكد أنها نتاج لعلاقة صداقة وروابط عائلية جمعتهما لمدة 50 سنة، لافتا إلى أن فاطمة المرنيسي من الشخصيات التي يجب أن يتعرف إليها الشباب، لأنها من أكبر عالمات المجتمع المغربي، وأنجزت أبحاثا مهمة، إلى جانب المساهمة في فهم الإسلام، مما يحث على التطرق إلى مسارها وشخصيتها.

وشدد المتحدث ذاته، على ضرورة إعداد أفلام سينمائية حول أهم الشخصيات في مختلف الميادين سواء السياسة من أمثال عبد الرحمان بوعبيد، أو الفنية من قبيل أحمد الطيب العلج، أو الطيب الصديقي، للتعريف بأيقونات المغرب.

وفي السياق ذاته، أوضح التازي، أن هذا النوع من الأفلام لا يوجد بكثافة في السينما، لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار المدخول السينمائي، واهتمام المخرج أو المبدع، مردفا في الوقت نفسه: “فاطمة المرنيسي بالنسبة لي  كانت تستحق تقديرها والتعريف بمسارها الحافل، وفكرة إعداد شريط حولها ليست جديدة، بل أخبرتها، وهي على قيد الحياة، عن نيتي في توثيق شريط عنها”.

وردا على سؤال حول عدم تطرقه لحياتها الشخصية التي يجهلها الجميع، بما أنه من المقربين منها، قال التازي متسائلا: “هل تحدثت فاطمة المرنيسي عن حياتها الخاصة يوما ما؟ بالطبع لا،  إلا في كتاب واحد عن المرأة سردت فيه القليل عن طفولتها وحياتها”، مسترسلا: “الفيلم تناول حياتها الشخصية بطريقة بعيدة، وليس مهما هنا أن نتابع كيف عاشت فاطمة؟ وهل كانت متزوجة؟ واستعراض صراعاتها المنزلية، بل الأهم هنا أعمالها، وهدف الشريط إبراز شخصية عالمة سوسيولوجية، وليس حياتها الشخصية، والشريط برؤيتي الخاصة”.

الزعيمي.. نجاح في التشخيص

أجمع معظم النقاد، بعد عرض شريط “فاطمة، السلطانة التي لا تنسى”، على نجاح بطلة الفيلم، الممثلة مريم الزعيمي وإبداعها في تقمص شخصية فاطمة المرنيسي وتشخيصها، خصوصا من حيث المظهر، ونالت نظير ذلك ثناء الحاضرين بالقاعة وإشاداتهم. وفي هذا الإطار، قالت مريم الزعيمي، في تصريح لجريدة “مدار21″، إن تقمصها لشخصية العالمة فاطمة المرنيسي، تطلب منها قراءة العديد من الكتب ومتابعة فيديوهات مداخلاتها عبر موقع “يوتيوب”، بالإضافة إلى الاطلاع على أشرطتها الشخصية المصورة التي يمتلكها المخرج عبد الرحمان التازي، وكل الصور والذكريات التي احتفظ بها صاحب الفيلم، ثم الاشتغال على لغة الجسد وطريقة كلامها، حتى تتمكن من التشبع بمبادئها وأفكارها ونقل صورتها في الشريط المذكور.

وأردفت الزعيمي قائلة: “رأيت نفسي بشكل مختلف، أتمنى أن يكون الجمهور قد شاهد في الشريط فاطمة وليس مريم”، مبرزة أن التحدي بالنسبة لها كان يكمن في إحياء شخصها لدى معارفها وأقاربها، وجذب باقي الأشخاص الذين لا يعرفونها للتعرف إليها.

وفي سياق متصل، أكد مخرج الشريط محمد عبد الرحمان التازي، في حديثه إلى الجريدة، أنه اختار مريم الزعيمي لتجسيد دور الكاتبة والمفكرة فاطمة المرنيسي، لأنها تتمتع بقدرة عالية على تجسيد مختلف الأدوار، إضافة إلى التشابه بينهما، مع إضفاء بعض التغييرات الطفيفة سواء على مستوى الحاجبين أو الوزن، مشيرا إلى أن مريم نجحت في تقمص الدور كما يجب، ولو أنها لم تكن على معرفة مسبقة بها، لكنها كانت مصرة على إتقان شخصيتها من خلال التشبع بأفكارها وشخصيتها من خلال قراءة الكتب ومتابعة فيديوهات عنها.

زويرق: السيرة الذاتية في السينما تحد صعب

عن خصوصية هذا الموضوع، يرى الناقد الفني المغربي فؤاد زويرق، أن سيرة فاطمة المرنيسي ليست درامية بامتياز، ولا يوجد فيها شد وجذب وصعود وهبوط يشد الأنفاس، ويغني العمل في بنائه السردي، لكون منحناياتها أكاديمية وفكرية، أكثر منها درامية، فكيف سيصوغها الفيلم، حتى تتناسب وتطلعات كل أنواع الجمهور دون أن يسقط في فخ الملل؟

ولفت زويرق، إلى أن سيناريوهات مثل هذه النوعية من الأفلام لها قواعد وآليات خاصة، وكتابها متمرسون ومحترفون، مضيفا: “لا أظن أن فريدة بن اليزيد، ومحمد عبد الرحمان التازي -مع كامل الاحترام لهما- من هذه العينة، وأخشى ما أخشاه أن يكون السيناريو قد كتب بالفرنسية كما هو شائع في سينمانا، ثم حول بعد ذلك، وبين هذا وذاك تضيع الآمال الفنية والإبداعية وتشوه الحقائق”، وفق تعبيره.

وأكد الناقد الفني ذاته أن “السينما المغربية للأسف لها تجارب سيئة مع أفلام السير الذاتية، حيث إن هذا النوع من الأفلام صعب ومعقد”، مبرزا أنه “ليس كل العظماء والعباقرة والعلماء تستحق سيرهم أن تروى سينمائيا، وهذه الجدلية بدأت، بحسبه، منذ البدايات الأولى لتصوير السيرة الذاتية فيلما، أي منذ الثلاثينات مع شركة وارنر. ف”.

هل سقط المخرج في فخ “التقديس”؟

من جانبه، قال الناقد السينمائي المغربي عبد الكريم وكريم، إن “أغلب الأعمال السينمائية والدرامية والسير ذاتية التي تصدى لها مخرجون من العالم العربي لم تكن مقنعة ولا ذات بعد فني عكس العديد من الجواهر السينمائية العالمية، التي يمكن وضعها في الجنس السينمائي نفسه”، مشيرا إلى أن السبب الرئيس، من وجهة نظره، يكمن في التعامل مع الشخصية محور العمل، ومسيرتها الحياتية والإبداعية من منظور “التقديس” و”الخوف” المبالغ فيه من إظهار الجوانب المختلفة، والمتناقضة من شخصيتها، الأمر الذي يجعلنا، وفق المتحدث عينه، مشاهدين أمام شخصيات “كرطونية” يغيب عنها البعد الإنساني، الذي لا يتأتى بدون تلك التناقضات التي تشكل كل شخصية من لحم ودم بسموها وجوانبها الراقية تارة، وأخطائها تارة أخرى، التي تنحو بها إلى الجوانب “الرمادية” وأحيانا “السوداء”.

وأضاف واكريم، أن “هؤلاء المخرجين يقدمون شخصيات لا تخطئ، وكأنها ملائكة تمشي معنا وتعيش معنا في الأرض”، كاشفا أنه في فيلم “فاطمة السلطانة التي لاتنسى” سقط المخرج المغربي المخضرم في الخطإ نفسه، بالرغم من أن قربه من فاطمة المرنيسي، وقرابته العائلية لها، وتصويره للحظات من حياتها بشكل توثيقي، كان من المفروض أن يمكنه من إنجاز فيلم كبير عن هذه السيدة المتميزة، التي لن تنسى طبعا، إلا أن هذا الشريط عبارة عن مجموعة من المشاهد غير المتجانسة من مراحل متنوعة من حياتها، و”كليشيهات” تظهر فيها وهي تردد مقولات بشكل تقريري، ولم يستطع المخرج نسج مسار تتدرج فيها الشخصية في أفكارها وقناعاتها وربطه”.

وعن أداء الممثلة مريم الزعيمي، أكد المتحدث نفسه أنها “بذلت جهدا ملحوظا بصفتها مشخصة مجتهدة في تقمص الشخصية، لكن غياب رؤية إخراجية جعلها كالتائهة في مسعاها ذاك”.

ويذكر أن فاطمة المرنيسي من مواليد 1940، بمدينة فاس، وتوفيت في الـ30 نونبر من عام 2015، وهي كاتبة وعالمة اجتماع وكاتبة نسوية مغربية لها كتب ترجمت إلى العديد من اللغات العالمية.

واهتمت كتاباتها بالإسلام والمرأة وتحليل تطور الفكر الإسلامي والتطورات الحديثة. بالموازاة مع عملها في الكتابة تقود كفاحا في إطار المجتمع المدني من أجل المساواة وحقوق النساء، حيث إنها أسست القوافل المدنية وجمع “نساء، عائلات، أطفال”. في مايو 2003 حصلت على جائزة أمير أستورياس للأدب مناصفة مع سوزان سونتاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.