سياسة

تطورات القضية الوطنية في ظل حكم محمد السادس

يخلد المغاربة ذكرى عيد العرش التي تؤرخ لتاريخ انتقال العرش من المغفور له الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس، وهو انتقال لم يكن فقط مؤسساتيا أو سياسيا، بل شهد أيضا انتقالاً وتحولاً في كيفية معالجة عدة ملفات على رأسها ملف الصحراء، هذه المعالجة الجديدة التي اقترنت بالعهد الذي يقوده محمد السادس توثق لمجمل التطورات التي شهدها ملف الصحراء، والذي أدى إلى أن ينتقل المغرب أولا من وضعية الدفاع إلى وضعية الهجوم، ثم يحقق في ظل التحول اختراقات وانتصارات كبيرة أدت إلى الاعتراف الأممي بمبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي وحيد لطي الملف، وقطعت مع وضعية التذبذب التي كانت توجد عليها علاقة العديد من الدول بهذا الملف وغيرها، كما حققه المغرب في ظل قيادة الملك للدبلوماسية المغربية، هذه القيادة التي استطاعت أن تسجل عدة نقط لصالح القضية الوطنية، وهي نقط مرتبطة بالأسلوب الجديد في معالجة الملف، وهي معالجة كانت بصمة الملك حاضرة فيها، ويمكن إجمال بعض هذه التحولات في:

الملك يحرر المبادرة تجاه القضية الوطنية

منذ انطلاق العهد الجديد كان هناك تركيز في خطب الملك علاقة بملف الصحراء على ضرورة انخراط الجميع في القيام بمبادرات تجاه القضية الوطنية، انطلاقا من طبيعة تدبير الملف بالرؤية الملكية الجديدة، التي ترجمت التحولات الكبرى التي عاشها الملف طيلة سنوات حكم محمد السادس، وهي تحولات عكست وجود مقاربة جديدة، بنظرة متجددة اتجهت بداية نحو تحرير المبادرة السياسية والمدنية ذات البعد الوطني علاقة بنزاع الصحراء وبالخطوات، التي يمكن القيام بها لتعزيز الطرح المغربي، وهو ما شجع العديد من الفاعلين على اتخاذ الكثير من المبادرات باعتبارها رافعة أساسية في ما يُعرف بالدبلوماسية الموازية، التي أصبحت اليوم واجهة أساسية في عمل الدبلوماسية المغربية، ومكملة لما تقوم به الدولة في هذا المجال، والذي لولا خطوة الملك نحو الدعوة لاتخاذ كافة المبادرات الوطنية وتحريرها جل الطاقات لدعم الموقف المغربي، لما كانت هناك جرأة اتخاذ العديد من الخطوات، وهنا استحضر خطوة تبادل الزيارة التي تمت مع شبيبة البوليساريو سنة 2013 التي استُقبل فيها شبابهم بالمغرب وانتقلنا آنذاك من المغرب نحو زيارة مخيمات تندوف، وهي الزيارة التي مكنتنا من الإطلاع على الوضع الميداني هناك، والتي يعود الفضل لنجاحها إلى ما قام به الملك من تحرير للمبادرة علاقة بالقضية الوطنية، وهي الزيارة التي لم يكن لها أن تنجح في ما مضى، ولما تمكنا من استقبال شباب البوليساريو ولما استطعنا الولوج للمخيمات بدون أن يثير الأمر حفيظة الدولة، خاصة وأننا كنا أول شباب مؤمن بالطرح الوطني ونادى به من داخل المخيمات وأمام جل مسؤولي وقيادات البوليساريو على مختلف مستوياتهم، وقد يكون هذا المثال الذي سقته واحدا من الأمثلة الواضحة والكثيرة التي تكشف عمق هذا التحول الذي شهده الملف في ظل عهد محمد السادس، ويعكس ثقة الدولة في مختلف المبادرات التي يمكن أن يتم اتخاذها من طرف الفاعلين بمختلف تلاوينهم دعما للملف وللقضية الوطنية الأولى، في إطار مقاربة تعتمد على تحرير المبادرات علاقة بالملف، ولولا هذا التوجه الجديد، الذي تم الحرص عليه انسجاماً مع روح القيادة الملكية الجديدة لما تم اتخاذ مبادرات وخطوات هامة جداً، لم يكن لها أن تحدث سابقاً، بحيث تم تحرير المبادرة ومعها انتقل المغرب من منطق التحكم في المعلومة إلى منطق الشراكة بين المجتمع والدولة لتعزيز تموقع المغرب قارياً وأممياً، وفي مختلف التكتلات الدولية التي تُطرح فيها القضية الوطنية، لهذا فقد استطاع المغرب تحقيق تموقع جديد دوليا عزز من الاقتناع ومن دعم مبادرة الحكم الذاتي، وذلك بفضل هذه المقاربة الملكية الجديدة.

محمد السادس ومقاربة الحل الديموقراطي للنزاع:

إن عهد محمد السادس لا يمكن وصف ما تحقق فيه من إنجازات بالانتصارات فقط، بل ما عشناه على مستوى تدبير الملف يُعتبر علامة فارقة في تاريخ المغرب الحديث، ويعكس التزاماً واضحاً للملكية تجاه الوحدة الوطنية/الترابية للمغرب، وهو التزام تاريخي انطلق مع المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني، ويستمر مع محمد السادس، قائمة على أسس متينة، واضحة، وشجاعة تجسيداً للعهد الذي يقوده الملك معتمدة على مقاربة الحل الوطني الديمقراطي، هذا الحل الذي يُعتبر العنوان الأبرز لهذه المرحلة، وهو حل»مبادرة الحكم الذاتي» الذي اقترحه المغرب لطي الملف للمضي قدما بالمغرب نحو وضع منطقة الصحراء على سكة التقدم، وعلى أن يحظى المغرب بالمكانة التي يستحقها كبلد عريق بملكية قائدة فيه للإصلاح ومُعبرة عنه.

الملك والتوجه الاستراتيجي الجديد:

إن التصور الذي وضعه الملك في مقاربة ملف الصحراء، الذي سبق أن عبر عنه في مختلف خطبه سواء بمناسبة عيد العرش أو بمناسبة المسيرة الخضراء، وأعلن فيها عن التوجه الاستراتيجي للمغرب في ظل هذا العهد، وهو توجه الكثير من مرجعياته الأساسية، تجد سندها في خلاصات تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة خاصة منها ما يتصل بمعالجة الانتهاكات الحقوقية التي حدثت في الأقاليم الصحراوية الجنوبية، وكان النشطاء الصحراويون من ضحاياها، وهي خلاصات أعلنت عن دعم الخيار الديموقراطي ممثلا في مبادرة الحكم الذاتي، فكانت النواة الأساسية لفكرة الحل منطلقة من معالجة انتهاكات الماضي، وتوجه الملك نحو تبني الخيار الديموقراطي في إطار المصالحة التي تمت مع المنطقة، وفي إطار نظرة المغرب الجديدة لطي النزاع مبنية على الديموقراطية المحلية، وقد حصل هذا الخيار على دعم كامل من طرف الملك بكل ما له من رمزية وسلطة في إعلان صريح وواضح على كون خيار مبادرة الحكم الذاتي هو خيار مرتبط أولا باختيارات المغرب الاستراتيجية في بناء دولة محمد السادس الحديثة والجديدة، ومرتبط بالتزام سياسي للدولة مع الساكنة الصحراوية، وهو الالتزام الذي جعل من فكرة الانفصال تتحول لفكرة هامشية إلى أن اختفت بالمنطقة بانخراط الساكنة ومختلف فاعليها مع تنزيل هذا الخيار، مما أسقط ورقة كانت تستغل سابقا بكل ما كانت تمثله من ورقة ضغط على المغرب داخلياً وخارجيا، وفتح الباب أمام تجديد التلاحم الوطني، الذي ظلت تجسده الساكنة المحلية الصحراوية مع العرش، هذا التلاحم تقوى بمبادرة الحكم الذاتي وبالاختيار الديموقراطي، الذي دفع بالمؤسسات المحلية المنتخبة إلى المشهد بفسح المجال أمامها وأمام المنتخبين المحليين للعب دورهم الكامل في تمثيل الساكنة، ليس فقط داخل المؤسسات المنتخبة محلياً وحهوياً، بل أيضا للعب دور محوري في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، من هنا جاءت مشاركتهم في الجلسات التشاورية التي عقدتها ونظمتها الأمم المتحدة بإشراف من المبعوث الأممي السابق، والتي أكدت على كون الوفد المغربي الذي مثل فيه المنتخبين المحليين بقوة في الجلسات، التي انعقدت بجنيف هم الممثلون الحقيقيون والوحيدون للصحراويات والصحراويين، وهم المؤهلون للحديث باسم الساكنة الصحراوية، ومنها حتى تلك التي مازالت قسراً بالمخيمات، مما خلق وضعاً استراتيجيا متقدما للطرح المغربي وأحدث اختراقاً سياسيا كبيرا للمغرب داخل الأمم المتحدة.

الملك والمعالجة الجديدة بمجلس الأمن للملف

بالعودة للسنوات التي عولج فيها الملف داخل الأمم المتحدة أثناء فترة حكم الملك محمد السادس، فإنه لابد وأن نسجل التحولات الكبيرة التي شهدتها قرارات مجلس الأمن وطبيعة النقاشات التي حدثت وتحدث عند عقد كل جلسة لمناقشة الملف، وهي تحولات أسقطت عدة أوهام سواء تلك التي ظلت الجزائر ترددها أو تلك التي ظلت البوليساريو تدعو لها بإيعاز من النظام الجزائري، وهي تحولات مرتبطة بالدينامية التي خلقها الملك دبلوماسيا داخل أروقة الأمم المتحدة، ويمكن بسط بعض هذه التحولات في:

-حسم ورقة حقوق الإنسان لصالح المؤسسات الوطنية:

لقد كان خصوم المغرب طيلة سنوات يُشهرون ورقة حقوق الإنسان في المنطقة، وهي الورقة التي كانت مصدر إزعاج للمغرب داخل الأمم المتحدة سواء بمجلس الأمن أو بالجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن مع اختيارات المغرب في مرحلة ما بعد إنهاء عمل هيئة الإنصاف والمصالحة ودسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والعمل الذي تم القيام به على المستوى المحلي بالصحراء من خلال لجانه في إطار مقاربة حقوقية شاملة للدولة عملت وتعمل على إدماج الفاعلين الصحروايين في النسيج الحقوقي المحلي مؤسساتيا ومدنيا، وبالعمل على توسيع هامش الحريات والحقوق واحترام حرية التعبير وتأسيس الجمعيات والمنظمات المدنية بالمنطقة، وغيرها من الاختيارات المنسجمة مع ما ظل عاهل البلاد يدعو له، تم محاصرة ورقة حقوق الإنسان بحيث أنه ما بعد سنة 2012 لم يعد موضوع «توسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان» ذات قيمة حقوقية أو سياسية في مجلس الأمن، ولم تعد تحظى بالمكانة التي كانت عليها سابقاً في أدبياته ، سواء في التقارير الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة أو قرارات مجلس الأمن التي باتت تعترف بالعمل الذي يقوم به المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجانه الجهوية، حيث باتت قرارات مجلس الأمن يتوسع فيها حضور المجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ سنة 2013 ليصبح ثابتا من ثوابت ما يصدر من قرارات، والمخاطب لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مما دفع خاصة مع التفاعل الإيجابي للمغرب مع مختلف الآليات الأممية الحقوقية، إلى اقتناع مختلف المؤسسات الأممية بالعمل الإيجابي الذي يتم القيام به في الأقاليم الصحراوية الجنوبية، سواء على مستوى الحقوق المدنية والسياسية أو على مستوى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى تهميش هذا الطرح الذي لم يعد يجد صداه إلا في بعض التقارير المخدومة لمنظمات دولية.

– حسم الحل السياسي لصالح مبادرة الحكم الذاتي:

بالعودة لخطب الملك محمد السادس، خاصة خطب المسيرة الخضراء منذ سنة 2015 إلى الآن، سنجده قد وضع تصوراً واضحا لعمل الدبلوماسية المغربية في العلاقة بنزاع الصحراء خاصة داخل أروقة الأمم المتحدة، إذ أن المغرب بفعل الوضع المتقدم الذي بات يحظى به أصبح موثراً وأصبحت معه خطب الملك مرجعية في قرارات مجلس الأمن وتقارير الأمناء العامين، بحيث لا تخلو الوثائق الصادرة عنهما من الإشارة إلى خطب الملك وتوجيهاته، هذا الحضور الملكي في الوثائق الأممية لم يكن له ليكون لولا العمل الذي أسس له المغرب بهدوء، وضوح وشجاعة وبطموح كبير نحو طي الملف نهائيا على أرضية مبادرة الحكم الذاتي، وهي الأرضية التي سبق للملك أن أعلن عن كونها هي الوحيدة المطروحة للنقاش داخل الأمم المتحدة، وأن الصحراء لم تكن يوماً موضوع نقاش، بل الحل السياسي الذي يضمن ويحترم سيادة المغرب هوالذي يجب مناقشته، وهو الوحيد الموضوع على أرضية النقاش والتفاوض إن حدث مستقبلا بين المغرب والجزائر تحت قيادة الأمم المتحدة، وقد استطاع المغرب، بفضل هذا التصور، أن يُقنع الأمم المتحدة ومختلف شركائه بتبني المبادرة المغربية باعتبارها الحل الوحيد المطروح للتباحث والتفاوض السياسي، بالتالي يكون المغرب بفضل هذا التصور الملكي الجديد قد أسقط نهائيا ورقة «استفتاء تقرير المصير» من حسابات الأمم المتحدة، وجعل من هذا التحول انتصارا مستقبليا للمغرب وللمنطقة، وانتصارا لفكرة الحكم الذاتي التي أصبحت تحظى بإجماع أممي وبدعم دولي بفضل العمل الذي تم القيام به طيلة هذين العقدين من حكم محمد السادس.

– مجلس الأمن والاعتراف بمحورية الدور الجزائري:

لقد عمل المغرب بفضل ما طرحه الملك من توجهات إلى أن يُقنع الأمم المتحدة بمختلف أجهزتها إلى كون النظام الجزائري هو الطرف الأساسي في هذا النزاع باعتباره صاحب المصلحة في عدم التوصل للحل، والذي لولا الحشد المالي والدبلوماسي الذي يقوم به هذا النظام لمعاكسة المغرب في وحدته الوطنية لما استطاعت البوليساريو الصمود طيلة هذه السنوات ولكانت الأمم المتحدة قد طوت هذا النزاع منذ اقتناعها بمصداقية الطرح المغربي وجديته، وهو الطرف الأساسي الذي يجب أن يكون معه النقاش وليس تنظيم البوليساريو الذي يعتبر تنظيماً ميتاً، ذيلياً للعسكر.
هذا الواقع الذي ظل المغرب يترافع من أجل إثباته وقد استطاع أخيراً أن يثبته بفضل ما قدمه من حجج وبفضل ما عاينته الأمم المتحدة نفسها من تحركات جزائرية في المنطقة وفي مجلس الأمن واللجنة الرابعة، وهي كلها تحركات أكدت على كون هذا النظام هو المعنى أولا وأخيراً بهذا النزاع، وهو ما دفع الأمم المتحدة مع ما ظل المغرب يطرحه سواء في تحركاته أو في خطب الملك من معطيات، إلى الإعلان الرسمي من طرف مجلس الأمن أولا، بكون النزاع ذي طبيعة إقليمية وليس نزاعا داخليا/داخليا، وبأن الطرف الأساسي من الجانب الآخر هي الجزائروليس البوليساريو، بحيث أصبحت قرارات مجلس الأمن تذكر فيها الجزائر أكثر مما يتم فيه ذكر تنظيم البوليساريو، وتتطرق للنظام الجزائري باعتباره الطرف الرئيسي والمخاطب من الجانب الآخر في النزاع إلى جانب المغرب، وأصبح حضور البوليساريو في العملية السياسية الأممية حضوراً هامشياً،هذا التطور الأممي في مقاربة مثلث النزاع هو ما دفع النظام الجزائري إلى إجهاض جلسات جنيف 2، وعرقل تحركات المبعوث الأممي للمنطقة ستيفان دي ميستورا ليستكمل المسار حيث انتهت إليه جلسات جنيف 1 و جنيف2.

 الملك والعملية الأمنية بالكركرات:

في الوقت الذي كان فيه «بلاطجة» البوليساريو يعتقدون أنهم سيحولون المنطقة الفاصلة بين موريتانيا والمغرب إلى نقطة تمركز مليشياتي لهم لعرقلة حركية السير التجارية والمدنية، خاصة مع صدور تقارير تتحدث عن مخطط جزائري لنقل ساكنة المخميات إلى هذه النقطة، كان المغرب تحت قيادة الملك القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية يعمل على وضع تصور للتحرك الميداني لوقف أعمال éالبلطجة» التي ظلت تقوم بها هاته العناصر بالكركرات بايعاز وتحريض من العسكر، هذا التحرك الذي أدى بفعل فعاليته إلى تحقيق نتائج كبيرة جدا كانت موضوع ترحيب وطني من طرف جل المغاربة، وجسد ملحمة وطنية من ملاحم المغرب الحديث، بحيث أن القوات المسلحة الملكية تحت قيادة قائدها استطاعت أن تحرر المنطقة بسرعة ودون إراقة الدماء، وعمدت إلى طرد عصابات البوليساريو من قطاع الطرق لما وراء الجدار العازل، ليتم إعادة تهيئة المنطقة وتعزيز الحضور المغربي فيها باعتبارها نقطة عبور ما بين المغرب وموريتانيا.

لقد شكلت هذه العملية واحدة من التحركات الذكية للمغرب التي قادها الملك بصفته العسكرية، خاصة وأن الأمم المتحدة لم تقم بإدانة التحرك المغربي في هذه النقطة رغم كل الحملات الدعائية التي قام بها العسكر الجزائري، الذي جند جل مؤسساته الدبلوماسية لمحاولة دفع المنتظم الدولي لشجب المغرب، وهي المحاولة التي باءت بالفشل بفعل التحرك الدبلوماسي، الذي قام به المغرب لتوضيح الموقف المغربي وطبيعة التحرك الأمني الذي قام بالموازاة مع التحرك الأمني في المنطقة، مما أجهض جل المحاولات اليائسة للنظام الجزائري لاستصدار قرار أممي يدين المغرب، وهو ما عكس حجم الحضور المغربي داخل الأمم المتحدة والمصداقية التي بات يحظى بها داخل أجهزته، فلم يعد للنظام الجزائري إلا القيام بحملة دعائية تحريضية ضد المغرب في إعلان عن هزيمة دبلوماسية صريحة للعسكر ولقيادته أمام حكمة الملك.

الملك والاعتراف الدبلوماسي بمغربية الصحراء:

العمل الدبلوماسي المغربي في منطقة الصحراء شهد قفزة كبيرة جدا، ليس على المستوى الأممي فقط، لكن أيضا بما استطاع المغرب تحقيقه في ظل القيادة الملكية، وهي قيادة اشتغلت بهدوء بعيداً عن الأضواء الإعلامية، وفي العديد من المحطات لم نكن نرى سوى النتائج الدبلوماسية التي يحققها المغرب، هنا جاء الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وهو الاعتراف الذي وقعه الرئيس ترامب وعززه الرئيس الحالي بايدن، هذا الاعتراف الأمريكي كان له وقعه على المنطقة وعلى الكثير من الدول نظرا لكون من أعلن عنه بلد له وزنه الكبير، حاضر بقوة في مختلف النزاعات الإقليمية، كما أنه اعتراف فتح المجال أمام اعترافات أخرى لدول كانت للأمس القريب تعبر عن مواقف متذبذبة من مغربية الصحراء، بحيث تلا الاعتراف الأمريكي إعلان ألمانيا عن دعم مبادرة الحكم الذاتي، لتليها إسبانيا، هذه الاعترافات الصريحة والواضحة لهذه الدول التي لها وزنها الإقليمي داخل المنطقة وداخل أجهزة الاتحاد الأوروبي، ولها تأثيرها التاريخي في نزاع الصحراء كحالة إسبانيا، لم تأت بشكل اعتباطي بل بفضل الحوار الذي قاده الملك بشكل شخصي معها وبالحرص على أن يتم بهدوء، ووضوح وشجاعة، كما أعلن عن ذلك هو نفسه، كذلك بطبيعة الحوار، الذي قاده الملك ووقف فيه الند للند أمام مختلف الدول، فلم يخضع فيها المغرب لأي ابتزاز ولا لمحاولة لي ذراعه باستغلال سيء لهذا الملف، إذ أعلن الملك في خطب رسمية عن رفضه لكل هذه الممارسات وحدد المعايير التي ستحكم عودة علاقة المغرب مع هذه الدول، وهي معايير استندت إلى الوضوح، الاعتراف بمغربية الصحراء واحترام سيادته الكاملة عليها، وهي الرؤية التي أتت أكلها بحيث لم تمض أيام قليلة على خطاب ثورة الملك والشعب للسنة الماضية حتى اعترفت ألمانيا وتبعتها إسبانيا بمغربية الصحراء، فكان هذا التحول انتصارا واضحا لرؤية الملك الذي أعاد للمغرب هيبته وصورته كبلد كبير لا يمكن المس بمصالحه ولا يمكن أن تكون مصالحه الوطنية موضوع مساومة.

لقد تعززت هذه الاعترافات بسلسلة فتح القنصليات المستمرة من دول عربية وإفريقية بالداخلة والعيون، وهي اعترافات ليست مجاملة دبلوماسية للمغرب، بل هي إعلان صريح من طرف هذه الدول على مغربية الصحراء وعلى السيادة الوطنية الكاملة عليها، وهي إعلان عن كون المجال الدبلوماسي واحد من المجالات التي يمارس من خلالها المغرب والملك باعتباره رئيساً للدولة المغربية وقائدا لها سلطته الدبلوماسية على هذه المناطق، فكان افتتاح هذه القنصليات بالإضافة إلى الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء إعلانا عن حسم النزاع لصالح المغرب وتجسيدا لدعم دولي لاختيارات المغرب في هذا الملف.

ويذكر أن ملف الصحراء شهد عدة منعرجات وواجه مطبات وفخاخا كثيرة كان خصوم المغرب يضعونها أمامه مستعينين بمنظمات تدعي أنها منظمات حقوقية، وبأموال المساعدات الإنسانية التي كان يُفترض أن توجه للصحراء، وبدبلوماسية «الجار» الذي وظف كل شيء لعرقلة سيادة المغرب على أقاليمه، وهي كلها فخاخ استطاع المغرب تجاوزها بسلاسة وحنكة سياسية ودبلوماسية كبيرة بفضل قيادة الملك، الذي أعطى طيلة فترة حكمه لهذا الملف، روحاً جديدة، جسدتها المقاربات الجديدة التي قارب بها هذا الملف، وهي مقاربة عكست الهوية الوطنية والديموقراطية للملكية في المغرب ولملكها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.