رأي

برادة: المعرض الدولي للكتاب بنكهة العبث

عندما نتحدث عن الاحتفال بالثقافة والمثقفين في المغرب، تصبح المفارقات الساخرة في مجتمعنا صارخة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها. فالاحتفال بالثقافة وبالكتاب لا يتعارض في المفهوم الجديد لوزير الثقافة، محمد المهدي بن سعيد، مع إعلان الحرب على المثقفين والمبدعين، وجر الثقافة برمزيتها إلى المحاكم لتمثل أمام القضاء بسبب قرار من العيب أن يتخذه وزير للثقافة في حق خيرة من اختارتهم لجان علمية لا غبار على نزاهتها وتجردها ومصداقيتها. والدليل على ذلك استقالة المنسق العام للجائزة الأستاذ عبد العلي الودغيري، احتجاجا على تجاوزات وزير يبدو أنه لا يعرف حدوده، ولا دراية له بما تعني كلمة ثقافة وكلمة مثقف.

اليوم نحن أمام سياق يضج بالتناقضات، سياق المعرض الدولي للكتاب في الرباط الذي يتزامن مع سياق قضية اضطر المثقفون الفائزون رفعها أمام القضاء، وهم متأكدون من أن هذا الأخير سينصفهم ويعيد الاعتبار لرمزية شريحة من المجتمع بات من المؤكد أن وزير الثقافة لا يقدر وزنها ودورها.

يبدو وزير الثقافة مزهوا بمعرض للكتاب اختار له “منطقة عازلة” بالرباط، حيث لا وسائل نقل تبلغه، ولا مرائب لسيارات الزوار، ناهيك عن بعده عن مركز المدينة، حيث المقاهي والمطاعم والفنادق. هو “قتل بطعم الفرح الأبله” كما يقول الروائي السوري محمد علي طه.

ثم ماذا عسى يقول وزير الثقافة لضيوفه الأفارقة إن سألوه عن السر في سحب أكبر جائزة المغرب وهو لا يملك الحق في ذلك، وكيف سيبرر لهم معزوفة أن “الرباط عاصمة الثقافة”… أي ثقافة يريد وزير الثقافة بعدما استبعد نخبة من المثقفين كان الأولى به أن يحتضنهم ويمنحهم فرصة تقديم مصنفاتهم بالمعرض وأمام الجمهور، لا بل ويتباهى بهم أمام الزوار؟ يصدق على وزير الثقافة ما قاله المبدع القصصي المغربي عبد الله زروال بأن بنسعيد “يعكس الوجه الحقيقي للمسؤول الثقافي الذي يدبر الشأن الثقافي بمنطق غير ثقافي”.

جيد جدا أن تكون إفريقيا ضيف شرف، لكن من المعيب أن تستقبل كتابها، فيما تهين كتاب البلد المضيف، وإلا فبم سيتفاخر الوزير إذن؟.

من المفارقات التي سجلها الراحل إدوارد سعيد لتدبير الثقافي بمنطق غير ثقافي في تشريحه للثقافة أثناء أزمنة النكوص، أنها تعاني من محنة مزمنة وبخاصة في البيئات المتخلفة والتسلطية، فعلى قدر ما يكثر الحديث عن “الثقافة” يتم “قتل “الثقافة” بدهاء ومكر شديدين.

من المعيب جدا أن نتكلم اليوم عن جو فيه احتفال بالثقافة وبالكتاب، ومن المعيب أيضا أن نرى ببرنامج المعرض أسماء كان المرء يظن أنها ستنتفض على قرار الوزير بخصوص سحب الجائزة، وتقاطعه أو على الأقل تعبر عن امتعاضها منه كما عمدت إلى ذلك الشاعرة الرقيقة مليكة العاصمي. الأمر يعني كل هؤلاء، ومنهم من حصل على نفس الجائزة لأكثر من مرة، ومنهم من كان منسقا عاما لها، لا بل ثمة أكثر من وزير سابق للثقافة حاضر بالبرنامج، ولكأن الأمر لا يعنيهم ولا يطالهم أو يطال مقامهم… أي قيمة أضحت للجائزة وقد تمت مصادرة قرارات لجانها العلمية التي لا تقبل المزايدة أو الطعن، فما بالك السحب؟

ستبقى لعنة جائزة المغرب للكتاب لموسم العام 2020، تطارد الوزير بنسعيد. لن يستطيع التخلص منها حتى وإن تدارك الأمر، لأنه تجاوز في ما لم يجرأ عليه أي وزير للثقافة سابق، وفي تاريخ الجائزة نفسها.

هل هي نية لوأد الجائزة نهائيا؟ لو كان الأمر بيد بنسعيد، لن يتردد بالتأكيد. لكن للجائزة تاريخ يحميها ويصونها.

 

-باحث في مجال الحقوق الفكرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.