رأي

الإنسان الأرابيسك: عندما يكون الترميم أسمى من الهدم

الإنسان الأرابيسك: عندما يكون الترميم أسمى من الهدم

“فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم” المهدي المنجرة رحمه الله

في الصغر، كان الجميع يشترك في بنائنا، الأسرة والمدرسة. وعندما كنت في صفوف الجامعة، كان يقال لنا أننا المستقبل، صمام الأمان أو العصا التي سيتوكأ عليها الوطن عندما يشتد عودنا ونصبح قادرين على التأثير وصنع القرار. ومع تعاقب الأجيال، أصبحنا نعيش واحدة من أكبر الأزمات التي يمكن أن تواجه مجتمعاً على الإطلاق: أزمة بناء الإنسان.

أرابيسك، والأزمة الهوياتية

في المسلسل المصري الشهير “أرابيسك”، يتألق البطلان في مشهد خالد. الدكتور برهان صدقي (كرم مطاوع) وحسن أرابيسك (صلاح السعدني) -رحمهما الله- يتحاوران حول المباني الآيلة للسقوط وتلك التي يمكن ترميمها. فيقول حسن -وهو من أفضل حرفيي الأرابيسك بالقاهرة القديمة- للدكتور برهان: هناك مبان متآكلة بفعل عوامل الزمن لكنها تظل قوية لأنها قائمة على أسس صلبة. وهناك مبان أخرى يستحيل إصلاحها، يجب هدمها وبناءها من جديد. فلسفة حسن لم تأت من فراغ، بل هي مرتبطة بأعقد المبادئ المجتمعية، بناء الإنسان. الفكرة الجوهرية هنا أن شخصا لم يكن بناءه سويا لا يمكن إصلاحه ولن يستطيع يوما أن يساهم في بناء مشروع مجتمعي. وعلى العكس فإن شخصا ترعرع على المبادئ والقيم الفضلى لا يمكنه إلا أن يكون نتاجا جيدا يساهم في بناء المجتمع.

لماذا الأرابيسك؟ ولماذا أتحدث عن أزمة الهوية؟ لأن الاثنين مرتبطين ببعضهما. الأرابيسك يمثل الصلابة والشموخ أمام العوامل الزمنية. وكذلك يجب أن تكون الهوية. لكننا في مجتمعاتنا اليوم (تماما كطَرحِ الدكتور برهان صدقي عندما بدأ يتساءل عن هوية الإنسان المصري) نعيش مذبذبين بين هويات ثقافية متعددة تفقدنا أحيانا انتماءنا الأصلي. فكيف لمجتمع لم يبذل مجهوداً في بناء هوية حقيقية أن ينتج أشخاصا أسوياء فكريا، متحضرين، قادرين على المضي قدما بمشاريعهم وأحلامهم في ظل مشروع تقدمي جماعي؟

بناء الإنسان: أصل التحضر

في ظل هذه الحالة من فقدان الوضوح وتقلب القناعات وتدهور الثقة، أصبحت مجتمعاتنا تنتج أجيالا مشتتة بين القيم وسراب الشعارات. أجيال تقلد ولا تبدع، تحفظ ولا تفهم لأنها بكل بساطة تعودت على التلقين لا التربية البناءة. أجيال شبه فاقدة للهوية ومتأثرة بالمظاهر المستوردة، في حين أن التحضر الحقيقي لا يقاس بعدد البنايات الشاهقة بل بالعقول المتزنة القادرة على التفكير والابداع والنقد.

كيف نرمم الإنسان إذن؟ على طريقة الأرابيسك!     

على غرار الحرفي الماهر الذي ينظف الخشب قبل أن يبدع بالنقش، فإن أول خطوة يجب القيام بها هي إزالة الغبار. غبار التفاهة والسطحية واليأس وترك العمل على تحقيق الأحلام إلى ما لا نهاية حتى يمر العمر وقد توقف بنا الزمن. كما أن قطعة الأرابيسك الواحدة يمكن أن تستغرق شهورا من العمل لأننا هنا نتحدث عن فن دقيق، والهدف هو الإتقان. وهنا يكمن دور الأسرة بالجهد والصبر لأن بناء الإنسان يتطلب الكثير ولا يجب أن يُترك لمحض الصدفة.   

الحداثة لا تتنافى مع الأصالة! لم يكن حسن أرابيسك يرفض الحداثة بل كان يفضل العمل على التجديد مع الحفاظ على الأصل لكيلا تضيع الروح. إذا تبنينا هذه الفلسفة، ربما قد نرى يوما بصيصا من الأمل. فالتنكر للأصل لا يمكن أن يجر إلا الاندثار.   

من المسؤول عن الترميم إذن؟ الأسرة هي الورش الأول والأساسي، فإن كانت متلاشية انهار معها كل شيء. المدرسة وبعد ذلك الجامعة يجب أن يرجعا لدورهما الأساسي في بناء العقول لا مجرد التلقين والحشو. ثم القدوة، حسن كان يحتاج لبرهان الذي مد له يده ليتغير كل شيء في حياته إلى الأفضل. شبابنا اليوم قبل أي وقت مضى بحاجة للقدوة، لا لتقليد أبطال وهميين بنوا أمجادهم على أنقاض عقول توقفت عن التفكير.

إذا تحول كل فرد في المجتمع إلى ورشة ترميم صغيرة، فمن هنا يبدأ التغيير الجدي والحقيقي.

د. منى لفرم،  دكتوراه في الاقتصاد والتسيير، خريجة المدرسة الوطنية العليا للإدارة بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News