سياسة

عوكاشة يتهم الحكومة بالمزايدات ويدعو للاعتراف بإصلاحات المرحلة السابقة

عوكاشة يتهم الحكومة بالمزايدات ويدعو للاعتراف بإصلاحات المرحلة السابقة

انتقد ياسين عوكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، ما وصفه بلغة “المعايطة” و”البوز” في الخطاب السياسي، داعيا الحكومة والمعارضة إلى تجاوز المزايدات والانتصار في معارك العبارات، والارتقاء بالنقاش البرلماني إلى مستوى المسؤولية وتقديم أجوبة حقيقية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب.

وقال عوكاشة، خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، اليوم الأربعاء، إن “الشطارة السياسية التي ينتظرها منا المغاربة، حكومة ومعارضة، لا تكمن في إتقان الفرجة السياسية والانتصار في معارك العبارات والمزايدات، وإنما في الارتقاء من النقاش البرلماني إلى مستوى المسؤولية وتقديم الأجوبة الحقيقية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهنا”.

وأضاف أن الحكومة مطالبة بالابتعاد عن لغة “المعايطة” و”البوز”، معتبرا أنها تخلق ارتباكا في الخطاب لا يفيد العمل السياسي، وأن ما يهم اليوم هو كيفية تحسين مستوى عيش المواطنين، وتوسيع فرص الشغل، والرفع من الدخل، وضمان الاستفادة من الخدمات العمومية، بعيدا عن الأحكام الجاهزة التي قد تكون جذابة وتحقق “البوز”، لكنها لا تقدم، وحدها، أجوبة عن التحديات الواقعية.

وفي سياق انتقاده للتصور السياسي الذي تروج له الحكومة، قال عوكاشة إن المغرب “لا يحتاج إلى استعادة معارك من زمن الكولخوزات والسوفخوزات، ولا إلى اصطناع خصومة بين الدولة والمقاولة المواطنة”، معتبرا أن الإفراط في توظيف المفاهيم الإيديولوجية يخلق تقابلا مصطنعا بين الاقتصاد والاجتماعي، ويوسع الهوة بين القرار السياسي والفاعل الاقتصادي، وكأن الدفاع عن العدالة الاجتماعية يقتضي الدخول في مواجهة مع الاستثمار والمقاولة.

واعتبر أن الاختلاف السياسي المشروع ينبغي أن ينصب على نجاعة السياسات العمومية وعدالة نتائجها، وليس على افتراض أن طرفا سياسيا يحتكر البعد الإنساني، فيما لا يرى طرف آخر في المواطن سوى بعده الاقتصادي.

واستحضر رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، في هذا السياق، تصريحا سابقا لعبد اللطيف وهبي قال فيه: “أنا كنقري ولدي في كندا”، مشيرا إلى أن وهبي يشغل اليوم منصبا وزاريا في الحكومة الحالية، إلى جانب أحزاب الكتلة التي قال إنه يتمنى أن تدافع عن الحريات والحقوق، وهي أمور لم يلمسها، بحسب تعبيره، في البرنامج الحكومي الحالي.

وفي قراءته لمشروع قانون المالية لسنة 2027، اعتبر عوكاشة أن النقاش يتجاوز حجم الاعتمادات المرصودة وطبيعة التدابير المعلنة، ليطرح إشكالية التصور الاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى الحكومة إلى تقديمه باعتباره تحولا في فلسفة بناء الدولة الاجتماعية وقطيعة مع المرحلة التأسيسية.

وتوقف عند مبلغ 62 مليار درهم المعتمد في هذا السياق، معتبرا أنه يثير تساؤلات بشأن طبيعته ودلالته الفعلية، موضحا أن الأمر لا يتعلق بغلاف موحد لاعتمادات اجتماعية إضافية، بل بتجميع مالي يضم 25 مليار درهم للتنمية، و5.5 مليارات درهم لمراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب اعتمادات لتحسين المعاشات والدعم الاجتماعي والتشغيل والصحة والتعليم.

وتساءل عوكاشة عما إذا كان المبلغ يمثل 62 مليار درهم من المجهود الاجتماعي الجديد، أم مجرد تجميع مالي لالتزامات متفاوتة الطبيعة، بعضها استمرار لإصلاحات سابقة، جرى تقديمها تحت عنوان واحد لإضفاء دلالة أكبر على حجم التحول الحكومي.

وأشار إلى أن الحكومة الحالية رحّلت مجموعة من الالتزامات إلى سنة 2031، معتبرا أن الوعود الانتخابية التي جرى تقديمها أصبحت أهدافا مؤجلة إلى نهاية الولاية، ومن بينها خفض الضريبة على الدخل، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر، والرفع من الحد الأدنى للمعاشات.

وانتقد عوكاشة ما اعتبره تناقضا سياسيا ومنهجيا في الخطاب الحكومي بشأن القطيعة مع المرحلة السابقة، في وقت يواصل فيه مشروع قانون المالية، بحسبه، تنزيل عدد من الاختيارات والإصلاحات الأساسية التي ساهمت الحكومة السابقة في مراحلها الأولى.

وأوضح أن الحكومة الحالية تواصل تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، وتخفيض الضريبة على الدخل، وتحسين الأجور، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، بما في ذلك مدارس الريادة، إلى جانب تفعيل ميثاق الاستثمار، وهي أوراش قال إن الحكومة السابقة ساهمت في تنزيل مراحلها الأساسية.

وأضاف أن اختزال تجربة حكومية شهدت تعميم الحماية الاجتماعية وإطلاق الدعم المباشر وتوسيع دائرة المستفيدين من التغطية الصحية وتعزيز الاستثمار العمومي ورفع ميزانيتي الصحة والتعليم ومأسسة الحوار الاجتماعي، في منطق اقتصادي يقوم على انسحاب الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية، يدخل، بحسب تعبيره، في إطار المزايدات و”البوز” الذي تحاول الحكومة صنعه.

وشدد على أن حزبه لا يدعي أن الحكومة السابقة كانت بمنأى عن النواقص، أو أن الإصلاحات التي أطلقتها حققت جميع أهدافها، لكنه يرفض اختزال تقييم السياسات العمومية في تصنيفات إيديولوجية جاهزة، كما يرفض تقديم العلاقة بين إنتاج الثروة وتوزيعها باعتبارها اكتشافا جديدا.

وأكد عوكاشة أن موقع حزبه في المعارضة لا يجعله طرفا في معارضة الإصلاحات الوطنية، كما أن مسؤولياته الحكومية السابقة لا تلزمه بمساندة اختيارات الحكومة الحالية، موضحا أن حزبه “لا يمنح الموافقة على بياض ولا يتبنى إيديولوجية الرفض”، وإنما يمارس حقه الدستوري في النقد والتعديل والمساءلة، انطلاقا من المصلحة الوطنية ومصداقية الالتزامات.

واعتبر أن المكتسبات المحققة في عدد من الأوراش، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية، ليست ملكا لحكومة أو أغلبية أو حزب معين، بل رصيد وطني مشترك تحقق بفضل القيادة الملكية والجهود التي بذلتها المؤسسات والحكومات والفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون، إلى جانب تضحيات المواطنات والمواطنين.

وأضاف أن الوفاء للمسار الإصلاحي في المغرب لا يتحقق بالتنكر لمراحله السابقة، وإنما بالبناء على منجزاته وتصحيح اختلالاته ونواقصه، وتطوير أدواته وتسريع وتيرته.

وفي السياق ذاته، أكد أن حزب التجمع الوطني للأحرار ساهم في البناء الديمقراطي والمؤسساتي للبلاد، وتحمل مسؤوليات حكومية وتدبيرية في مراحل مختلفة، وكان جزءا من اختيارات إصلاحية كبرى عرفتها المملكة، انطلاقا من اعتبار أن المواطن ليس مجرد فرصة اقتصادية، بل إن تمكينه اقتصاديا واجتماعيا يمثل جوهر السياسة التنموية التي ساهم الحزب في تنزيلها.

وأشار عوكاشة إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يأتي في سياق وطني ودولي تتقاطع فيه التحولات الجيوسياسية مع الضغوط الاقتصادية، وتتداخل فيه الانتظارات الاجتماعية المتزايدة مع الإكراهات المالية، بالتوازي مع تزايد الحاجة إلى تجديد أدوات الفعل العمومي وابتكار حلول غير تقليدية، بعيدا عن إعادة تدوير المقاربات السابقة.

واستحضر، في هذا الإطار، التوترات في المحيط الإقليمي الإفريقي، وما تشهده الدول الأوروبية الشريكة للمغرب من تحولات، مشيرا إلى ما قد يترتب عن ذلك من تأثيرات على الشراكات الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News