الحسن لشكر: لا نريد دولة توزع الدعم فقط بل دولة تقتلع جذور الهشاشة

اعتبر الحسن لشكر، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يشكل أول اختبار عملي للبرنامج الحكومي، وأول ترجمة مالية للاختيارات السياسية للأغلبية الجديدة، مؤكدا أن الإجراءات الضريبية والاجتماعية والاستثمارية التي يتضمنها المشروع تعكس، بحسب تعبيره، إرادة سياسية لتحويل الالتزامات إلى قرارات وإصلاحات ملموسة.
وقال لشكر، خلال مناقشة مشروع قانون المالية بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، إن هذا المشروع يفتح المجال لمناقشة الاختيارات السياسية والمجتمعية للحكومة، والبحث في كيفية انتقال الأرقام الواردة في الوثائق المالية إلى أثر ملموس في حياة المواطنات والمواطنين، مبرزا أن قانون المالية يعكس طبيعة المشروع الذي يدبر الشأن العام، والفئات التي يضعها في صدارة أولوياته، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين إنتاج الثروة وتوزيعها وصون كرامة الإنسان.
وأوضح المتحدث أن الفريق الاشتراكي يرى في المشروع بداية لترجمة عدد من القناعات التي دافع عنها الحزب خلال وجوده في المعارضة، خصوصا ما يتعلق بالعدالة الضريبية، وتخفيف العبء على الأجراء والطبقة المتوسطة، وحماية القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإصلاح المدرسة والمستشفى العموميين، وربط الاستثمار بالتشغيل والعدالة المجالية.
وشدد لشكر على أن المشاركة في الأغلبية الحكومية لا تمثل مجرد انتقال حسابي من موقع المعارضة إلى موقع الأغلبية، بل هي اختيار سياسي يستند إلى تقاطع بين التوجهات المعلنة للبرنامج الحكومي والمرجعية الوطنية والحداثية والديمقراطية الاجتماعية التي دافع عنها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على مدى عقود.
وأضاف أن الرهان يتمثل في بناء مشروع إصلاحي يجمع بين اقتصاد قوي ومنتج، ودولة اجتماعية ضامنة للحقوق، ومؤسسات حديثة وفعالة، وتوزيع منصف لثمار النمو بين الأفراد والجهات والأجيال، معتبرا أن العدالة الاجتماعية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون خلق الثروة، كما أن النمو الاقتصادي لا يكتسب معناه الحقيقي ما لم ينعكس على التشغيل اللائق وجودة الخدمات العمومية والارتقاء الاجتماعي.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الفريق الاشتراكي أن مشروع قانون المالية يسعى إلى تجاوز التعارض المصطنع بين تشجيع الاستثمار وحماية القدرة الشرائية، وبين الحفاظ على التوازنات المالية وتوسيع الحقوق الاجتماعية، مؤكدا أن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تختزل في توزيع الإعانات، كما أن الدولة المشجعة للاستثمار لا يمكنها التخلي عن أدوار التنظيم والتقويم وحماية المنافسة.
إصلاح ضريبي
وفي ما يتعلق بالإصلاح الجبائي، توقف لشكر عند المراجعة التدريجية للضريبة على الدخل، معتبرا أنها من أبرز التحولات التي يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، بالنظر إلى ما تحمله من إجراءات تستهدف الأجراء والطبقة المتوسطة.
وأشار إلى أن المشروع يقترح رفع حد الدخل السنوي الصافي المعفى من الضريبة على الدخل من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وتبسيط الأشطر الضريبية، واعتماد معدلات تصاعدية تبلغ 20 و30 في المائة، مع خفض المعدل الهامشي الأعلى من 37 إلى 30 في المائة، في أفق استكمال الإصلاح سنة 2031.
واعتبر أن هذه الإجراءات توجه رسالة إلى الأجراء والطبقة المتوسطة مفادها أن العمل والدخل والقدرة على الادخار والاستهلاك توجد ضمن أولويات الاختيارات الحكومية، مشددا على أن الإصلاح الضريبي العادل ينبغي ألا يعاقب العمل المصرح به أو يثقل كاهل الفئات التي تتحمل أعباء المعيشة والسكن والتعليم وتربية الأبناء.
ودعا لشكر إلى توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين الامتثال، ومحاربة التهرب والغش، وتوزيع المساهمة في تمويل المرافق العمومية وفق القدرة الحقيقية على التحمل، مسجلا أن مشروع قانون المالية يتوقع ارتفاع حصيلة الضريبة على الدخل من 64 مليار درهم إلى 71.49 مليار درهم.
كما نوه بالتوجه نحو رفع سعر الضريبة على الشركات من 35 إلى 40 في المائة بالنسبة إلى الشركات العاملة في استيراد المحروقات التي يتجاوز ربحها الصافي 100 مليون درهم، معتبرا أن هذا الإجراء يندرج ضمن تكريس العدالة الجبائية، من خلال مساهمة الأنشطة ذات الأرباح المرتفعة في المجهود الوطني.
وأكد أن نجاح الإصلاح الضريبي يقتضي بناء علاقة قائمة على الثقة والوضوح والإنصاف بين المواطن والإدارة الضريبية، بما يضمن اقتناع دافعي الضرائب بأن مساهماتهم تنعكس على جودة المدارس والمستشفيات والطرق والخدمات العمومية.
دعم القدرة الشرائية
وبخصوص التدابير الاجتماعية، سجل لشكر أن مشروع قانون المالية يتضمن إجراءات تستهدف استعادة القدرة الشرائية وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية، من بينها الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي في أفق بلوغ ألف درهم سنة 2031، ورفع معاش التقاعد تدريجيا ليبلغ 1700 درهم سنة 2027، في أفق الوصول إلى 3000 درهم سنة 2031، فضلا عن رفع معاشات الأرامل من 50 إلى 100 في المائة.
واعتبر أن هذه التدابير تستهدف فئات ظلت قدرتها على مواجهة تكاليف الحياة محدودة، مؤكدا ضرورة مواصلة التفكير في آليات إنصاف المتقاعدين، بما في ذلك دراسة ربط معاشاتهم بمستويات التضخم، حتى يتمكنوا من مواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
كما توقف عند تحمل الدولة فواتير الكهرباء التي تقل أو تساوي 100 درهم، إلى جانب تخصيص 19.4 مليار درهم لمواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق، معتبرا أن هذه الإجراءات تعكس الحرص على حماية التوازنات الاجتماعية في ظل تقلبات الأسواق الدولية.
غير أن لشكر شدد على أن الحماية الاجتماعية ينبغي ألا تظل محصورة في الدعم والتعويض عن الهشاشة، بل يجب أن ترتبط بالإدماج والتمكين، من خلال توسيع فرص التعلم والتكوين والعمل والاستقلال الاقتصادي.
ودعا، في هذا الإطار، إلى مواصلة إصلاح مسالك التوزيع وأسواق الجملة، والتصدي للمضاربة والاحتكار والممارسات التي ترفع الأسعار دون قيمة مضافة، مبرزا أن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق فقط عبر الأجور والتحويلات الاجتماعية، بل أيضا من خلال مراقبة الأسعار وتعزيز المنافسة وتقليص كلفة المعيشة.
الصحة والتعليم والتشغيل
وفي ما يخص القطاعات الاجتماعية، نوه رئيس الفريق الاشتراكي باستمرار رفع الموارد المخصصة للصحة والتعليم، مشيرا إلى أن الاعتمادات المقررة للصحة تبلغ 45.4 مليار درهم، فيما تصل الاعتمادات المخصصة للتربية الوطنية إلى 106.9 مليار درهم.
وأكد أن أهمية هذه المجهودات المالية ستتجلى أساسا في مدى انعكاسها على جودة الخدمات العمومية، موضحا أن المواطن يقيس نجاعة المنظومة الصحية بقدرته على الحصول على موعد طبي في أجل معقول، وتوفر الأطباء والأدوية والتجهيزات، وقرب المستشفيات والمراكز الصحية من محل سكناه، فيما تقاس جودة التعليم بمستوى التعلمات وقدرة المدرسة العمومية على ضمان تكافؤ الفرص بين أبناء المدن والقرى ومختلف الفئات الاجتماعية.
ودعا إلى مواصلة تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتفعيل البرامج الصحية الترابية، وإصلاح حكامة المنظومة الصحية، إلى جانب تطوير المدرسة العمومية والتعليم الأولي والجامعة والبحث العلمي، مع إيلاء عناية أكبر للعاملين في التعليم الأولي.
كما اعتبر أن توسيع الولوج إلى التعليم العالي والسكن الجامعي والتكوين الجيد والبحث والابتكار يشكل جزءا أساسيا من بناء السيادة المعرفية للمغرب، داعيا الحكومة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المنحة الجامعية والدعم الاجتماعي الموجه إلى الأسر، بما يتيح تطوير هذه الآلية.
وفي ملف التشغيل، سجل لشكر إيجابيا التوجه نحو إعادة إدماج المنقطعين عن الدراسة، مشيرا إلى إعادة تسجيل أكثر من 78 ألف تلميذ وتلميذة خلال الموسم الدراسي الحالي، إلى جانب توسيع مدارس الفرصة الثانية وتطوير التكوين بالتدرج المهني ليستفيد منه أكثر من 150 ألف شخص سنويا، ضمن منظومة توفر أكثر من 750 ألف مقعد برسم السنة الدراسية الحالية.
وشدد على أن الرهان لا يتعلق فقط بعدد المقاعد والبرامج، بل بقدرة السياسات العمومية على توفير مسار واضح للشباب، يبدأ من المدرسة ويمر عبر التكوين وصولا إلى العمل والاستقرار والكرامة، مع ضمان فرص متكافئة للشابات وتعزيز دور المقاولات في التكوين والترقي المهني.
استثمار 400 مليار درهم
وعلى المستوى الاقتصادي، توقف لشكر عند فرضيات مشروع قانون المالية، الذي ينطلق من توقع نمو بنسبة 3.7 في المائة، وتضخم في حدود 3 في المائة، ونسبة مديونية للخزينة تناهز 62.9 في المائة، معتبرا أن الحفاظ على الاستقرار المالي يشكل شرطا أساسيا لتمكين الدولة من الوفاء بالتزاماتها وتمويل التنمية والتدخل في أوقات الأزمات.
كما أبرز أن المجهود الاستثماري المرتقب، والبالغ 400 مليار درهم، يعكس حجم الرهانات المعقودة على الاستثمار باعتباره محركا للنمو والتشغيل والتجهيز الترابي، لكنه شدد على ضرورة تحويل هذا الاستثمار إلى قيمة مضافة وطنية، وفرص شغل مستدامة، ومقاولات صغرى ومتوسطة أكثر قدرة على الولوج إلى الصفقات، فضلا عن تقليص الفوارق بين الجهات.
وحذر من أن ارتفاع نسب النمو والاستثمار العمومي لا يؤدي بالضرورة إلى خلق فرص الشغل أو تحقيق العدالة المجالية والدخلية، إذا لم تنعكس هذه المؤشرات على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين.
وفي السياق ذاته، أكد أن بناء الدولة الاجتماعية يقتضي إنصاف المجالات الترابية، مشددا على أن المغرب لا يمكنه التقدم بسرعتين أو جعل جودة الخدمات وفرص الاستثمار رهينة بالموقع الجغرافي للمواطن.
ودعا إلى إعطاء الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري والجيل الجديد من برامج التنمية المندمجة مكانة أساسية، بما يسمح بتحويل الجهات إلى فاعلين اقتصاديين واجتماعيين يمتلكون الصلاحيات والموارد والقدرة على التخطيط والإنجاز، مع إيلاء عناية خاصة للعالم القروي والمناطق الجبلية والواحات والمجالات المتضررة من الجفاف والهشاشة.
كما ربط السيادة الاقتصادية بتعزيز الأمن المائي والغذائي والدوائي والطاقي، وتقوية الاحتياطات الاستراتيجية، وتطوير الصناعات الوطنية والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتوسيع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب رفع قدرات المقاولات الوطنية على الإنتاج والتصدير.
إصلاح المؤسسات العمومية
وفي ما يرتبط بتدبير المالية العمومية، نبه لشكر إلى أن الاعتمادات المرتبطة بفوائد وعمولات الدين العمومي تبلغ نحو 45.94 مليار درهم في مشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبرا أن هذا الرقم يبرز أهمية توسيع الموارد الذاتية للدولة، وتحسين مردودية الاستثمار، والرفع من جودة الإنفاق العمومي، حتى لا تتقلص هوامش تمويل الإصلاحات مستقبلا.
كما أثار مسألة النفقات الجبائية التي قدرها التقرير المرفق بالمشروع بنحو 38 مليار درهم سنة 2026، موزعة على 183 تدبيرا، مشيرا إلى أن نسبة مهمة منها تعود إلى ما قبل سنة 2021، وهو ما يستدعي، بحسبه، إخضاعها لتقييم دوري وموضوعي.
وتساءل بشأن مدى تحقيق هذه الإعفاءات للأهداف التي أقرت من أجلها، سواء في مجال الاستثمار أو التشغيل أو الأثر الاجتماعي، مؤكدا أن الحوافز الضريبية التي لا تحقق مصلحة عامة قابلة للقياس ينبغي إعادة النظر فيها، دون التشكيك في مبدأ التحفيز في حد ذاته.
ودعا كذلك إلى تسريع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين حكامتها وعلاقاتها المالية بالدولة، وتفعيل دور الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة، معتبرا أن هذا القطاع يشكل رافعة أساسية للاستثمار والتنمية، شريطة وضوح المهام وقياس الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأشار إلى أن عددا من المؤسسات العمومية، باستثناء مؤسسات محدودة، لا يزال يستفيد من دعم سنوي من الدولة، رغم أن بعضها، بحسب تعبيره، يفترض أن يساهم في الميزانية العامة، داعيا إلى تحسين مردودية هذه المؤسسات وتوسيع هوامش التمويل المتاحة.
وفي ختام مداخلته، جدد لشكر دعم الفريق الاشتراكي للتوجهات الأساسية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، مؤكدا استعداد الفريق للدفاع عن الإصلاحات التي يؤمن بها والمساهمة في تجويد النصوص وتيسير تنفيذها.
وشدد على أن نجاح الحكومة في تحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المعلنة يشكل مكسبا للمغرب والمواطنات والمواطنين، مختصرا فلسفة المشروع في ضرورة الجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الاقتصاد المنتج والمؤسسات القوية، معتبرا أن الإصلاح لا يستقيم دون مؤسسات فعالة، وأن الاستقرار يحتاج إلى أفق واضح للتقدم.





