سياسة

تقرير غوتيريش يحرك نقاش “الاستفتاء”.. بنحمزة: لا يتناقض مع مبادرة الحكم الذاتي

تقرير غوتيريش يحرك نقاش “الاستفتاء”.. بنحمزة: لا يتناقض مع مبادرة الحكم الذاتي

أثار مضمون تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء، خصوصا ما يتعلق بموضوعي “المجلس الانتقالي” و”الاستفتاء”، نقاشا واسعا بشأن طبيعة المقترحات التي كانت موضوع تفاوض بين مختلف الأطراف، وما إذا كانت مضامين التقرير تعكس تحولا في المرجعيات المعتمدة في المسار السياسي.

وفي هذا السياق، قال عادل بنحمزة، الأكاديمي والمحلل السياسي، إن الصيغة المسربة لمسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الموجه إلى أعضاء مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء المغربية، أثارت “كثيرا من الاستفسارات والتأويلات غير الدقيقة” بشأن القضايا التي كانت موضوع تفاوض بين مختلف أطراف النزاع، سواء في مدريد أو واشنطن.

وأوضح بنحمزة أن من أبرز ما توقف عنده البعض “موضوع عودة الحديث عن الاستفتاء وتشكيل مجلس انتقالي”، مضيفا أنه “دون الخوض في مناقشة كل ما جاء في تقرير غوتيريش، يمكن القول بأن تقرير غوتيريش كشف، أن الأطراف باشرت فعليا تنفيذ قرار مجلس الأمن 2797، الذي جعل من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية سنة 2007، الأساس الوحيد للمفاوضات وبالتالي قبول البوليساريو العملي لها، بغض النظر عما تقوم به الجبهة في الجانب الدعائي الموجه للداخل”.

وبخصوص ما أثير بشأن الاستفتاء والمجلس الانتقالي الواردين في تقرير غوتيريش، قال الأكاديمي والمحلل السياسي إن هذه المقترحات “قدمها المغرب منذ 2007″، مشيرا إلى إمكانية الاطلاع عليها من خلال فقرتين من مبادرة الحكم الذاتي.

وأوضح أن الفقرة 27 جاءت في إطار الحديث عن مسار الموافقة على نظام الحكم الذاتي وتفعيله، ونصت على أن “يكون نظام الحكم الذاتي للجهة موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية”، مضيفا أن هذا الاستفتاء يعد، “طبقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمثابة ممارسة حرة من لدن هؤلاء السكان لحقهم في تقرير المصير”.

كما توقف بنحمزة عند الفقرة 32، التي تتضمن، بحسبه، أن “بعد موافقة الأطراف على مشروع نظام الحكم الذاتي، يساهم مجلس انتقالي مكون من ممثلي الأطراف، في تدبير عودة سكان المخيمات إلى الوطن، ونزع السلاح والتسريح، وإعادة إدماج العناصر المسلحة التي توجد خارج تراب الجهة، وكذا في أي مسعى يهدف إلى إقرار هذا النظام وتطبيقه، بما في ذلك العمليات الانتخابية”.

وفي قراءته للملاحظة التي اعتبرها البعض سلبية، واحتفى بها بعض مؤيدي الانفصال، قال بنحمزة إن الأمر يتعلق بالفقرة الأخيرة من الفقرة 10 من تقرير غوتيريش، والمنسوبة إلى المبعوث الشخصي للأمين العام، والتي جاء فيها أن “وطوال المفاوضات، شدد المبعوث الشخصي على أن أي مقترح للحكم الذاتي للصحراء ينبغي أن يستوفي أعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي ينبغي أن تدعمه ضمانات دولية قوية، وأن أي تسوية للنزاع يجب أن تتضمن عملية تشاور ذات مغزى مع الشعب الصحراوي، وفقا لمبدأ تقرير المصير”.

واعتبر بنحمزة أن هذه الفقرة “لا تتناقض مع ما طرحه المغرب في مبادرة الحكم الذاتي خاصة ما جاء في الفقرة 27”.

وكان تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء، الصادر في الأول من أكتوبر الجاري، قد كشف عن انتقال المسار السياسي إلى مرحلة جديدة، بعدما دخلت الأطراف في نقاشات مباشرة حول ترتيبات عملية لمرحلة انتقالية محتملة، من بينها إنشاء “مجلس انتقالي” يتولى إدارة مختلف العمليات ويوفر إطارا للتفاوض بشأن تفاصيل تسوية سياسية، إلى جانب إعداد مشروع أولي لاتفاق إطاري، بالتعاون بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، يمكن أن يشكل أساسا لمفاوضات أكثر تفصيلا حول نموذج للحكم الذاتي وعملية تشاور مع الساكنة.

ويأتي هذا التطور في سياق سياسي جديد أعقب اعتماد مجلس الأمن القرار 2797 لسنة 2025، الذي أعطى زخما للمفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، والتي احتضنتها واشنطن ومدريد خلال يناير وفبراير 2026، حيث سجل التقرير أن المفاوضات بحثت قضايا دقيقة تشمل المجلس الانتقالي، وضمانات تنفيذ التسوية، وتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، فيما واصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا مشاوراته لإعداد مشروع منقح لاتفاق إطاري بشأن مرحلة انتقالية محتملة.

وفي خلاصاته، اعتبر غوتيريش استئناف المشاركة المباشرة في المفاوضات تطورا مشجعا، داعيا الأطراف إلى الانخراط بحسن نية واستثمار الزخم الحالي للوصول إلى حل سياسي مقبول بشكل متبادل، معتبرا أن الحكم الذاتي الحقيقي “يمكن أن يمثل نتيجة هي الأكثر قابلية للتحقق” وفق القرار 2797، كما شدد على ضرورة توفير ضمانات دولية قوية لأي تسوية، وإجراء تشاور هادف مع الساكنة، بالتوازي مع الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية وتجديد ولاية بعثة “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2027.

من جهته، اعتبر لحسن العسيبي، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، أن تبني الأمم المتحدة آلية التفاوض المنطلقة تحت سقف القرار الأممي 2797، وما أعلنه تقرير الأمين العام الأممي غوتيريش من مسارات للتفاوض ومرجعية للمناقشات، والتي توجد في صلبها مسألتا “مجلس انتقالي” و”الاستفتاء الخاص بالسكان المعنيين” لقبول ما تم التوافق عليه من شكل للحكم الذاتي بالضمانات المسنودة للقانون الدولي كشكل من أشكال ممارسة “تقرير المصير”، يمثل دليلا على أن هذه المقترحات كانت مضمنة أصلا ضمن “المقترح المغربي للحكم الذاتي” المقدم منذ 2007.

وقال العسيبي في مقال نشره على صفحته في منصة فيسبوك إن ذلك “يقدم الدليل الواضح والملموس والقطعي على أن المنتظم الدولي تبنى فعليا المرجعية المغربية في شموليتها وبنيتها ومضامينها”.

وخلص الكاتب الصحفي والمحلل السياسي إلى أن هذا الأمر يمثل، من وجهة نظره، “انتصارا غير مسبوق للاستراتيجية التحريرية الوطنية المغربية ضمن النضال لإنهاء مسألة النزاع حول أقاليمه الصحراوية الغربية الجنوبية”، معتبرا أن القضية “مصنفة أمميا كملف لإقليم متنازع عليه وليس مصنفا أبدا ضمن خانة منطقة احتلال”، وذلك “عبر البوابة الديمقراطية للحكم الذاتي كآلية فضلى لتنظيم المجال ضمن السيادة الوطنية والوحدة الترابية المفعلة لمبدأ تقرير المصير”.

وفي المقابل، شدد العسيبي على ضرورة التعامل مع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة ضمن طبيعته ووظيفته، موضحا أن “تقرير الأمين العام هو تقني في مكان ما، وأنه ليس ملزما لمجلس الأمن الذي يمتلك الصلاحية العليا لإنضاج قرارات حسب ما يفرضه ميزان القوى عالميا وإلحاحية تسريع إيجاد الحلول للأزمات دوليا”.

وأضاف أن التقرير “يناقش ويحضر في خلفية قرارات الدول الأعضاء بمجلس الأمن لكنه ليس وحده الذي يحسم في تدافع إنضاج القرارات الحصرية لمجلس الأمن”، معتبرا أن الحرص المغربي يجب أن ينصب على “القوى صاحبة الحسم في صياغة القرار”، ومبرزا “محورية دور مجموعة الدول دائمة العضوية ومن ضمنها دور صاحبة القلم في تحرير منطوق القرار الولايات المتحدة الأمريكية”.

وأكد العسيبي أن المرحلة الحالية تتطلب، وفق قراءته، “يقظة عالية جدا”، قائلا إن “المعركة دقيقة جدا الآن”، ومشددا على أن “في التفاصيل يكمن الشيطان”، وهو ما يفرض، بحسبه، “حسن استثمار ميزان القوة المتاح لنا ضمن مجالنا الغرب إفريقي والغرب متوسطي”، حتى وإن كانت العلامات الدلالية لمنهجية إنضاج الحل بأفق سياسي سلمي تفاوضي أمميا تتوافق، في أجزاء مركزية منها، مع “الاستراتيجية الوطنية التحريرية المغربية”.

وشدد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي على أن “السماد الأكبر فعليا لحماية حقوقنا القومية العليا المشروعة هو في تعزيز صلابتنا الداخلية مؤسساتيا وتنمويا وعدالة مجالية ومشروعا مجتمعيا للإنصاف وتعزيز الكرامة للمغاربة وحماية الهوية الحضارية والوطنية لنا كأمة ودولة”.

واعتبر العسيبي أن تعزيز هذه العناصر من شأنه أن يخدم الثقة بين المواطن والدولة ومؤسساتها، قائلا إن ذلك يمثل “حائطنا الأعلى والأصلب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News