فن

ناقد تونسي: الفن يتجاوز الأزمات السياسية والسينما المغاربية مطالبة بمزيد من الجرأة

ناقد تونسي: الفن يتجاوز الأزمات السياسية والسينما المغاربية مطالبة بمزيد من الجرأة

يرى الناقد السينمائي التونسي والباحث في السمعي البصري والسينما، أيمن جليلي، أن الفن يظل من أبرز الوسائل القادرة على التقريب بين الشعوب، خصوصا في ظل الأزمات السياسية التي تعرفها المنطقة المغاربية، معتبرا أن السينما، بحكم انتشارها وقدرتها على نقل الثقافات والصور المختلفة، تشكل جسرا للتواصل بين المجتمعات.

ويؤكد جليلي في حوار مع جريدة “مدار21” أن الفن هو الوسيلة الأهم والأمثل للربط بين الشعوب، وأن الوظيفة الأساسية للسينما تتمثل في تقريب الناس من بعضهم البعض، والتعريف بثقافات وبلدان ومناطق قد لا يتعرف إليها الجمهور إلا من خلال الأفلام والتظاهرات الفنية والسينمائية.

ويعتبر أن السينما تظل الوسيلة الأكثر شعبية والأسهل وصولا إلى عموم الناس، إذ لا تتطلب سوى شاشة لعرض ثقافات وتجارب مختلفة، ما يجعلها أداة فعالة للتعريف بالآخر وبالمجتمعات العربية والمغاربية، مبرزا في هذا السياق الدور الذي تضطلع به المهرجانات السينمائية، باعتبارها فضاءات للتلاقي وتبادل الرؤى والخبرات، إضافة إلى مساهمتها في التعريف بخصوصيات المدن والمناطق والترويج لها ثقافيا وسياحيا.

وفي حديثه عن السينما التونسية، يشير جليلي إلى أنها حافظت، منذ تأسيسها، على هامش واسع من الحرية في مناقشة مختلف المواضيع والقضايا، معتبرا أن خصوصيتها تكمن في مفارقة لافتة، تتمثل في كونها كانت تحظى بدعم الدولة التونسية، وفي الوقت نفسه كانت تتجرأ على السلطة والحكام.

ويشير إلى أن السينما التونسية واجهت، في مراحل مختلفة، قضايا السلطة من عهد الحبيب بورقيبة إلى زين العابدين بن علي، واستمرت بعد الثورة في الحفاظ على هذه الخصوصية التي يعتبرها استثنائية في العالم العربي، إذ يرى أن هذا الهامش من الحرية لم يتراجع، بل تطور، رغم اختلاف السياقات السياسية التي مرت بها تونس.

ويضيف أن السينما التونسية تعيش اليوم طفرة لافتة، في ظل بروز جيل جديد من المخرجين الشباب الذين تمكنوا من الوصول إلى الساحة العالمية، حيث تحضر الأفلام التونسية في أبرز المهرجانات الدولية، من بينها مهرجانات كان وبرلين، إلى جانب حضورها في مختلف التظاهرات السينمائية العربية.

ويؤكد أن السينما التونسية احتفظت بقدرتها على تناول المواضيع الحساسة ومناقشة القضايا التي تشكل طابوهات داخل المجتمع، دون الخوف من ردود الفعل أو الانتقادات، مشددا على أن الجرأة في الطرح ظلت إحدى أبرز خصائص التجربة السينمائية التونسية.

وبخصوص السينما المغربية، يرى جليلي أنها تعرف تطورا ملحوظا، خصوصا على مستوى حجم الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن المخرجين المغاربة أصبحوا يقدمون صورا مختلفة ومتنوعة عن المغرب لم يسبق للجمهور أن شاهدها بهذه الطريقة.

ويستحضر في هذا السياق تجربة المخرج المغربي داود أولاد السيد، الذي شارك في عدد من المهرجانات التونسية، واصفا إياه بالمخرج المتمرد في طريقة طرحه ومعالجته للمواضيع، إلى جانب اعتباره أن السينما المغربية أصبحت، على المستويين العربي والمغاربي، من التجارب السينمائية المتقدمة واللافتة.

ويلفت الناقد التونسي أيضا إلى التطور الذي عرفته البنية السينمائية في المغرب، خاصة على مستوى القاعات، بعدما كان القطاع قد شهد في مراحل سابقة تقلصا في عددها، معتبرا أن المغرب يعيش اليوم طفرة في هذا المجال.

ويشير إلى أن المغرب يحتضن عددا كبيرا من المهرجانات السينمائية مقارنة بباقي البلدان العربية والمغاربية، معتبرا أن السينما المغربية تتوفر على مقومات تؤهلها لتكون سينما عالمية، انطلاقا من هويتها وخصوصيتها الثقافية.

وفي تقييمه لما تحتاجه السينما المغاربية للارتقاء أكثر والمنافسة على المستوى العالمي، يرى جليلي أن المطلوب هو مزيد من الجرأة في طرح المواضيع والقضايا، باعتبار أن السينما قادرة على تعرية الحقيقة ورفع الغطاء عن القضايا المسكوت عنها داخل المجتمعات، وفتح أبواب النقد والفكر.

ويعتبر أن السينما لا تقتصر على تقديم المتعة، وإنما تنتج أيضا المعرفة وتساهم في خلق النقاش حول مختلف القضايا، ما يجعل حرية التعبير والقدرة على معالجة المواضيع بجرأة من العناصر الأساسية لتطورها.

ويؤكد أن المغرب يتوفر كذلك على مقومات مهمة في مجال الإنتاج السينمائي، بالنظر إلى تنوع فضاءاته ومواقعه التي تستقطب مخرجين ومنتجين من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب خبرته في استقبال الإنتاجات الأجنبية التي تصور في ورزازات ومناطق أخرى.

ويرى أن الأرضية متوفرة أمام السينما المغربية والمغاربية للتطور أكثر، وأن ما يتبقى هو تحرير خيال السيناريست والمخرج، ومنحهما مساحة أكبر للكتابة والابتكار وتقديم أعمال أكثر جمالا وجرأة.

وعن علاقته بالمغرب، يقول جليلي إنه يعتبر نفسه ميالا بشكل كبير إلى هذا البلد، مشيرا إلى أن العلاقات التاريخية بين تونس والمغرب ظلت جيدة، وأنه يعرف جانبا مهما من تاريخ البلدين، بما في ذلك العلاقات التي جمعت بين الحبيب بورقيبة والملك الراحل الحسن الثاني.

ويكشف أنه زار المغرب أكثر من 15 مرة، وتنقل بين جنوبه وشماله، وأصبح يعرف طرقه ومدنه، معتبرا أن كل زيارة تتيح له اكتشاف جانب جديد من المملكة.

ويؤكد أن التظاهرات الفنية والمهرجانات تساهم بشكل كبير في تعزيز العلاقات بين الفنانين والمثقفين، لأنها تتيح تأسيس صداقات جديدة والتعرف عن قرب على جوانب مختلفة من الثقافة المغربية، إلى جانب تبادل الرؤى والخبرات.

ويستحضر في هذا السياق مهرجانات ذات خصوصية موضوعاتية، من بينها مهرجان “سينما أوزود لسينما الجبل” ومهرجان “السينما الإفريقية” بخريبكة، اللذين يعتبرهما نموذجين للتظاهرات التي تختار موضوعا محددا وتبني حوله رؤية فنية وثقافية، ما يمنحها، حسب رأيه، قدرة أكبر على الاستمرار والتأثير.

ويشير جليلي، في المقابل، إلى تجربته في تونس باعتباره مدير مهرجان “سينما الطفولة والشباب”، الذي يشتغل على قضايا الطفل ويمتد لأكثر من 30 سنة، معتبرا أن المهرجانات المتخصصة قادرة على خلق حوار حقيقي حول قضايا المجتمع، وتحقيق الاستمرارية.

ويضيف أن ما يجذبه في المغرب أيضا، تاريخه العريق وتنوع مدنه وخصوصياتها الثقافية، إلى جانب التاريخ المشترك الذي يجمعه بتونس، متحدثا عن أصوله الإدريسية وارتباطه بتاريخ المغرب، معتبرا أن الوعي بالتاريخ المشترك بين بلدان المغرب العربي من شأنه أن يعزز التقارب بين شعوب المنطقة.

ويخلص جليلي إلى أن بلدان المغرب العربي تمتلك إمكانات وحضارة وتاريخا وثقافات متنوعة، وأن المطلوب هو الوعي بهذه القدرات وبالقوة التي يمكن أن يشكلها هذا التنوع، معتبرا أن المغرب، رغم تعدد مدنه وخصوصياته الثقافية، يتميز بتماسك يجعله فضاء غنيا وقابلا لمزيد من الانفتاح والتطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News