اعميمي: خطاب “الفوز المحسوم” قد يتحول من التعبئة إلى إنتاج العزوف الانتخابي

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يفترض أن يتجه النقاش السياسي نحو البرامج والحصيلة والأولويات التي تهم المواطن، من التشغيل والقدرة الشرائية، إلى التعليم والصحة والعدالة المجالية وجودة الخدمات العمومية، غير أن جزءاً من النقاش قد ينزلق أحياناً من التنافس حول المشروع إلى التنافس حول من سيحتل المرتبة الأولى، وكأن النتيجة أصبحت موضوعاً سابقاً على العملية الانتخابية نفسها، وفق رضوان اعميمي، رئيس المركز المغربي ريادة للدراسات والأبحاث.
وأوضح اعميمي في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الحديث عن تصدر الانتخابات قد يبدو جزءاً عادياً من التعبئة الحزبية، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يتحول إلى خطاب يوحي بأن ترتيب القوى السياسية قد حُسم قبل أن يتوجه المواطن إلى صندوق الاقتراع.
واعتبر الأكاديمي والأستاذ الجامعي أن الديمقراطية لا تقوم فقط على وجود انتخابات، وإنما أيضاً على اقتناع الناخب بأن الانتخابات مفتوحة على احتمالات حقيقية، وأن صوته قادر، إلى جانب أصوات الآخرين، على تغيير النتائج وترتيب القوى وتوجيه السياسات.
وأشار إلى أن الإقبال على التصويت يرتبط في أدبيات المشاركة السياسية بمفهوم الفعالية السياسية، أي شعور المواطن بأن مشاركته ذات معنى، وأن لصوته قيمة في تحديد الاختيارات العامة، مبرزاً أن هذا الشعور كلما تعزز ارتفعت دوافع المشاركة، بينما يؤدي الاعتقاد بأن النتائج محسومة سلفاً إلى إضعاف القيمة المتصورة للصوت.
وطرح اعميمي في حديثه للجريدة سؤالاً اعتبره “بسيطاً، لكنه بالغ الخطورة سياسياً”: “لماذا أشارك إذا كانت النتيجة معروفة مسبقاً؟”
وحذر من أن تكرار خطاب “المرتبة الأولى” و”الفوز المحسوم” قد يتحول، من حيث لا يقصد أصحابه، من وسيلة للتعبئة إلى منتج للعزوف الانتخابي، مشدداً على أن الناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة من يتوقع الفوز، بل يحتاج أساساً إلى الشعور بأن اختياره جزء من صناعة هذا الفوز أو منعه، وأن المنافسة لم تنته قبل أن تبدأ.
ولفت إلى أن العزوف لا ينبغي تفسيره دائماً باعتباره لامبالاة بالشأن العام، موضحاً أن المواطن الذي لا يصوت ليس بالضرورة مواطناً لا يهتم بالسياسة، بل قد يكون شديد الاهتمام بمشكلاته الاقتصادية والاجتماعية، لكنه لم يعد يرى في الأحزاب أو الانتخابات قناة فعالة للتعبير عنها.
ومن هنا، دعا رئيس المركز المغربي ريادة للدراسات والأبحاث، إلى التمييز بين العزوف عن السياسة والعزوف عن قنوات السياسة التقليدية، معتبراً أنه حين تتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، لا تختفي المطالب الاجتماعية ولا تتراجع بالضرورة انتظارات المواطنين، وإنما تبدأ هذه المطالب في البحث عن مسارات أخرى للتعبير، من شبكات التواصل الاجتماعي والمبادرات غير المؤطرة، إلى الحركات المطلبية أو الاحتجاج في الفضاء العام.
وأبرز رضوان اعميمي أن هذه المسألة تكتسي أهمية أكبر في مجتمع يعرف تحولات ديمغرافية واجتماعية متسارعة، وارتفاعاً في تطلعات الشباب، مقابل استمرار تحديات التشغيل والسكن والخدمات العمومية والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وأضاف الأكاديمي والأستاذ الجامعي أن اتساع المسافة بين ما يتطلع إليه المواطن وما يشعر أن المؤسسات قادرة على تحقيقه يجعل الثقة السياسية عنصراً مركزياً في الاستقرار الاجتماعي.
واعتبر اعميمي أن المجتمعات التي تتسع فيها الفجوة بين التطلعات والفرص لا تحتاج إلى سياسة أقل، وإنما إلى مزيد من السياسة بمعناها الحقيقي، من خلال صناعة الأمل، وإنتاج البدائل، وتنظيم الاختلاف، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج وقرارات قابلة للمساءلة.
ومن هذا المنظور، يرى المتحدث أن التحدي الذي تواجهه الأحزاب مع اقتراب الانتخابات لا يتمثل في إقناع المواطنين بمن سيأتي أولاً فقط، وإنما في إقناعهم بأن هناك بالفعل ما يستحق أن يصوتوا من أجله.
وشدد على أهمية البرنامج السياسي، موضحاً أن الناخب يريد أن يعرف ماذا تحقق خلال الولاية المنتهية، وما الذي لم يتحقق ولماذا، وما هي الالتزامات المقبلة، وبأي موارد وآجال ومؤشرات سيتم تنفيذها.
كما يريد، وفق اعميمي، أن يرى تنافساً حقيقياً حول التشغيل والاستثمار والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتنمية الترابية، لا مجرد تنافس حول المواقع والتحالفات والمراتب.
واعتبر أن المنافسة الديمقراطية لا تقاس فقط بحرية وضع ورقة في صندوق الاقتراع، وإنما أيضاً بوجود عرض سياسي متعدد وذي مصداقية يجعل الاختيار نفسه ذا معنى.
وتزداد المسألة حساسية، بحسب اعميمي، عندما توحي الخطابات السياسية بأن الانتخابات مجرد محطة لتأكيد ميزان قوى سبق تحديده، معتبراً أن مثل هذا التصور قد يضعف وظيفة الانتخابات باعتبارها لحظة لإعادة توزيع الثقة السياسية، ومحاسبة الأغلبية، وتقييم المعارضة، ومنح المواطن فرصة لتجديد الاختيارات أو تغييرها.
وقال إن أقوى رسالة يمكن أن تقدمها الأحزاب اليوم ليست أن تقول للناخب: “سنفوز”، وإنما أن تقول له: “صوتك هو الذي سيقرر”.
وأوضح أن الثقة في العملية الانتخابية تبدأ من الاعتراف بعدم امتلاك أي فاعل سياسي للنتيجة مسبقاً، ومن القبول بأن صندوق الاقتراع هو الذي يمنح المرتبة الأولى والثانية، ويصنع الأغلبية والمعارضة.
وخلص اعميمي إلى أن الرهان الحقيقي للاستحقاقات المقبلة لا يتعلق فقط بنسبة الأصوات التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، بل أيضاً بنسبة المواطنين الذين سيقتنعون بأن المشاركة ما تزال تستحق العناء.
وحذر من أنه حين يضعف هذا الاقتناع، لا تخسر الأحزاب بعض الأصوات فقط، بل قد تخسر السياسة جزءاً من قدرتها على الوساطة وصناعة الأمل واحتواء المطالب داخل المؤسسات.
وأضاف أنه إذا ضعفت الثقة في الانتخابات، وتراجعت الوساطة الحزبية، وشعر المواطن بأن المنافسة السياسية لا تتصل بمشكلاته اليومية، فإن مطالبه لن تختفي، وإنما ستبحث عن قنوات أخرى للتعبير.
وختم بالقول إن السؤال الأهم عشية أي استحقاق انتخابي ليس: “من سيتصدر الانتخابات؟”، بل: “هل ما يزال المواطن مقتنعاً بأن صوته قادر على تغيير ترتيبها ونتائجها؟”، معتبرا أن “الانتخابات التي تستحق المشاركة هي، قبل كل شيء، انتخابات لا يعرف أحد نتيجتها قبل أن يتكلم الناخبون”.





