المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة: بين ترسانة قانونية متقدمة وممارسة ميدانية متعثرة

على بعد أسابيع من انطلاق المسلسل الانتخابي التشريعي المقرر يوم 23 شتنبر 2026 لتجديد مجلس النواب[1]، يعود إلى الواجهة السؤال الجديد القديم : هل يضمن المغرب للأشخاص في وضعية إعاقة حقّ المشاركة الكاملة في المسار الانتخابي والمشاركة الفعالة في الحياة السياسية؟، السؤال الذي يتكرر مع اطلالة كل استحقاق انتخابي و يغيب بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
فاليوم، و كما في عقود مضت، يجد المغرب أحزابا سياسية و مجتمعا مدنيا و مدبري الشأن الانتخابي أنفسهم أمام اختبار جديد لم يعد ممكنا تفاديه: هل تتوفر صناديق الاقتراع، ومكاتب التصويت، ومنصات التسجيل الرقمية، على الحد الأدنى من الشروط التي تسمح لأزيد من 1.73 مليون مغربي ومغربية في وضعية إعاقة بممارسة حقهم الدستوري في التصويت والترشح، بكرامة واستقلالية؟ و بالتالي ماهي الضمانات الفعلية لمشاركتهم في الحياة السياسية و البناء الديمقراطي و التنمية .. فبين ترسانة قانونية متقدمة وممارسة ميدانية متعثرة،يتفتح من جديد ملف مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة في الفعل السياسي المغربي قبل و بعد 23 شتنبر 2026.
فقبل أيام معدودة، وضعت المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة على طاولة الأحزاب السياسية والمرشحين لائحة من 16 مطلبا، تدعو فيها إلى تجاوز الوعود الانتخابية الفضفاضة نحو التزامات قابلة للقياس والمساءلة[2]، و ليست المرة الأولى الذي يتقدم فيها المجتمع المدني بمثل هذه المذكرات بل سبق للتحالف من أجل النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة أن تقدم بمذكرة ووقع ميثاقا أخلاقيا مع بعض الأحزاب المشاركة في استحقاقات 2016 و 2021 كما فعلت جمعية الحمامة البيضاء من أجل النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة سنة 2025 و جمعيات أخرى على المستوى الجهوي، و قد كانت جل المطالب تخص بالدرجة الأولى تيسير ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى مراكز التصويت والمعلومة الانتخابية، وتعزيز حضور الأشخاص في وضعية إعاقة داخل الهياكل الحزبية والمؤسسات المنتخبة. و على مستوى اخر تقدم الحزب الاشتراكي الموحد بمذكرة إلى وزارة الداخلية تقترح إحداث لائحة وطنية مستقلة من 12 مقعدا للأشخاص في وضعية إعاقة على غرار (الكوطا) النسائية والشبابية، إلى جانب توفير معازل اقتراع مهيأة خصيصا لذوي الإعاقة الحركية[3]. هذه المبادرات المدنية المتجددة قبيل كل إستحقاق تعيد إلى الواجهة سؤالا ظل، لعقود، خارج دائرة النقاش العمومي: أين يقف المغرب فعليا بين النص القانوني المتقدم نسبيا والممارسة الانتخابية اليومية؟ خاصة بعد دستور 2011 و مصادقة المغرب على الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة.
أرقام تكشف حجم الرهان
تشكل المعطيات الإحصائية الحديثة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ضمن النتائج التحليلية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، منطلقا ضروريا لقياس حجم التحدي. فقد سجل معدل انتشار الإعاقة على الصعيد الوطني نسبة 4.8 %، أي ما يفوق 1.73 مليون شخص، في تراجع طفيف مقارنة بـ5.1 % سنة 2014. غير أن هذا المعدل يظل أعلى بكثير بالوسط القروي (نحو 5.6 %) منه بالوسط الحضري (نحو 4.2 %)، وهو ما يعيد طرح سؤال الولوجية وضعف البنية التحتية في المناطق النائية بحدة خاصة[4]. والأخطر من ذلك أن الإحصاء نفسه يكشف مفارقة بنيوية تمس صميم القدرة على المشاركة السياسية: فحوالي 67.7 % من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي، ولا تتجاوز نسبة محو الأمية في صفوفهم 35.4 %، مقابل 75.2 % على المستوى الوطني. بمعنى آخر، فإن العائق الحقيقي أمام المشاركة السياسية في شموليتها و الانتخابية خاصة ليس تقنيا بحتا أو مرتبطا فقط بالولوجيات المعمارية أو الرقمية، بل يرتبط أيضا بضعف نسبة التمدرس ومحدودية الوعي بالحقوق والإجراءات، مما يجعل التبسيط والتوعية شرطان موازيان للولوجية المادية، لا خيارا ثانويا.
ما وراء الأرقام: كيف يمارس الأشخاص في وضعية إعاقة مواطنتهم فعليا؟
إذا كان إحصاء 2024 يرسم الصورة الديمغرافية العامة، فإن البحث الوطني الثاني حول الإعاقة، الذي أنجزته وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية سنة 2014 على عينة من 16.044 أسرة، يبقى إلى اليوم المصدر الأكثر تفصيلا لقياس المشاركة السياسية الفعلية للأشخاص في وضعية إعاقة، لا الحق النظري فيها فقط[5]. وقد سجل هذا البحث، حينها، معدل انتشار وطني للإعاقة بلغ 6,8 % (أي 2.264.672 شخصا)، بما يعني أن أسرة مغربية واحدة من بين كل أربع أسر، أي 24,5 % منها، معنية مباشرة بالإعاقة.
وتكشف نتائج محور “المواطنة” في هذا البحث فجوة صارخة بين الحق المُقرّ قانونا وممارسته الفعلية: فرغم أن 53 % من الأشخاص في وضعية إعاقة صرّحوا بأنهم يمارسون حقهم في التصويت، فإن هذه النسبة تنخفض بشكل حاد حين يتعلق الأمر بأشكال المشاركة الأعمق و الفعلية، إذ لا تتجاوز نسبة المشاركين في الأنشطة السياسية والنقابية 2,7 %، بينما لم يسبق لسوى 2 % منهم فقط أن ترشحوا لانتخابات جماعية أو تشريعية. وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى مؤشر الوعي بالحقوق: فلم يصرح بمعرفة تامة بجميع الحقوق الأساسية المخولة للأشخاص في وضعية إعاقة بموجب القانون المغربي سوى 10,6 % منهم، فيما لا تتجاوز نسبة المنخرطين في جمعية عاملة في مجال الإعاقة% 6,3 % على الصعيد الوطني (7,3 % بالوسط الحضري مقابل 4,9 % بالوسط القروي، و7,4 % لدى الذكور مقابل 4,8 % فقط لدى الإناث).
هذه الأرقام تمنح قراءة أكثر دقة لمفهوم “العائق أمام المشاركة”: فالمشكلة ليست فقط في الوصول المادي إلى مكتب التصويت يوم الاقتراع، بل في سلسلة كاملة من الحواجز التراكمية التي تبدأ من ضعف الوعي بالحقوق (89,4 % لا يعرفون حقوقهم بشكل كامل)، مرورا بضعف التأطير الجمعوي (أكثر من 93 % غير منخرطين في أي جمعية، و54 % منهم يصرحون بأنهم لا يعرفون أصلا جمعية يمكنهم الانخراط فيها)، وصولا إلى غياب شبه تام عن مواقع الترشح والقرار (2 % فقط سبق لهم الترشح). ويُبرز هذا التسلسل أن سياسة “تيسير التصويت” وحدها، مهما بلغت جودتها التقنية، تبقى قاصرة إذا لم تُرافَق بسياسة موازية للتوعية الحقوقية والتأطير الجمعوي والتشجيع الفعلي على الترشح و اجمالا لا يمكن الحديث عن المشاركة الفعلية و الفعالة دون تعليم دامج و تنشئة اجتماعية و سياسية للأشخاص في وضعية إعاقة تنبني على المواطنة الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة.
ترسانة قانونية متراكمة منذ 2011
من خلال المعطيات السابقة لا يمكن التحجج بغياب الإطار القانوني. فمنذ دستور 2011، الذي كرّس في ديباجته، المتمتعة بنفس القوة القانونية لفصوله، التزام المملكة بحظر ومكافحة كل تمييز مبني على الإعاقة، وأقرّ في فصله 19 مبدأ المساواة بين المواطنين، وضمن في فصله 30 حق التصويت والترشح للجميع دون أي استثناء صريح يخص الإعاقة، وألزم في فصله 34 السلطات العمومية بوضع سياسات لفائدة ذوي الاحتياجات الخاصة[6]، راكمت البلاد نصوصا مهمة توجت بالمصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة سنة 2009، والتي تلتزم في مادتها 29 الدول الأطراف بضمان إجراءات تصويت ميسّرة ومفهومة و سهلة الوصول، وحماية حق التصويت السري دون تخويف، وإتاحة المساعدة من شخص يختاره الناخب بحرية[7].
وجاء القانون الإطار رقم 97.13، الصادر سنة 2016، ليكرّس تحولا فلسفيا جوهريا من منطق “المساعدة والرعاية” إلى منطق “الحق والمساواة”، ناسخا بذلك نصوصا قديمة كانت لا تزال تنظر إلى الإعاقة من زاوية إحسانية[8]، فيما وفر القانون رقم 03-10 المتعلق بالولوجيات، رغم بطء تفعيله، الإطار التقني المرجعي لتجهيز الفضاءات المستقبلة للعموم بما فيها المدارس والمقرات الإدارية التي تتحول إلى مكاتب للتصويت يوم الاقتراع، بولوجيات معمارية تسمح بالوصول المستقل[9]. بيد أن هذا التراكم التشريعي يصطدم بثغرة جوهرية يجمع عليها الفاعلون الحقوقيون: فمنظومة القوانين الانتخابية نفسها، القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية، والقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب[10]، لا تتضمن، في صيغتها الحالية، فصولا صريحة تُلزم بتوفير ترتيبات تيسيرية محددة (لغة برايل، لغة الإشارة، مرافقة، ولوجية إلزامية لكل مكاتب التصويت)، بل تُترك هذه التسهيلات لمذكرات تنظيمية وتعليمات إدارية مؤقتة قد تتغير من محطة انتخابية إلى أخرى، بدل أن تكون قاعدة قانونية دائمة وملزمة.
مكتسبات محدودة وإخلالات متكررة
سجلت المحطات الانتخابية الأخيرة، وآخرها الاقتراع الثلاثي (تشريعي وجماعي وجهوي) ليوم 8 شتنبر 2021[11] ، تسهيلات محدودة، تمثلت في السماح بمرافقة شخص موثوق أو تقديم المساعدة عند الحاجة. لكن هذه المكتسبات تبقى، بشهادة عدة فاعليات حقوقية، تجارب متفرقة غير معممة على كل الدوائر الانتخابية، ولم ترتق بعد إلى قاعدة عامة وملزمة.
فعلى مستوى التسجيل في اللوائح الانتخابية الذي يعتبر المدخل الأول لممارسة الحق، لا تزال المنصة الرقمية المخصصة لذلك تفتقر إلى معايير الولوجية الرقمية الأساسية (التوافق مع برامج قراءة الشاشة، تبسيط الواجهات)، وهو ما يحرم شريحة واسعة من الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية من التسجيل بشكل مستقل، محوّلا آلية كان من المفترض أن تضمن المساواة إلى مصدر إقصاء غير معلن. وعلى مستوى يوم الاقتراع نفسه، لا تزال أغلب مكاتب التصويت تفتقر إلى ولوجيات معمارية كافية، فيما يظل تعميم بطاقات الاقتراع بطريقة برايل واقتراحات الإرشاد بلغة الإشارة للأشخاص الصم أمرا مؤجلا إلى حين.
تمويل الأحزاب على أساس الإعاقة: آلية تحفيزية أم حافز شكلي؟
من بين أقل جوانب هذا الملف تداولا إعلاميا عشية استحقاقات 2026، رغم أهميته العملية، آلية ربط الدعم العمومي الموجَّه للأحزاب السياسية بتمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن لوائحها الانتخابية. فالمرسوم رقم 2.16.666 المنظم لمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب، الذي راجعته الحكومة بشكل جوهري مطلع أبريل 2026 استعدادا لاستحقاقات 23 شتنبر[12]، يقوم على شطرين متمايزين: حصة جزافية موحدة رُفعت قيمتها من 750 ألف درهم إلى مليون درهم لكل حزب مؤهل، تُصرف قبل 90 يوما من الاقتراع لضمان انطلاقة متكافئة للجميع؛ وشطر ثانٍ يُوزَّع بعد الانتخابات وفق عدد المقاعد المحصَّل عليها فعليا، بمنطق “التمويل مقابل الأداء”.
والجديد اللافت في هذا المرسوم هو تخصيص دعم إضافي تحفيزي قد تصل قيمته إلى ستة أضعاف القيمة العادية للمقعد، لفائدة الأحزاب التي تنجح في إيصال مترشحين من فئات محددة إلى قبة البرلمان، وعلى رأسها ، إلى جانب الشباب دون 35 سنة ومغاربة العالم والنساء في الدوائر المحلية، الأشخاص في وضعية إعاقة[13]. بعبارة أخرى، لم يعد دعم ترشيح الأشخاص في وضعية إعاقة مجرد إشارة تشجيعية عامة كما كان سابقا، بل تحوّل إلى حافز مالي مباشر ومحسوب بدقة لكل حزب ينجح في تجاوز عتبة “الترشيح الرمزي” إلى عتبة “الفوز الفعلي”.
بيد أن فعالية هذه الآلية تصطدم بثلاثة قيود عملية تستحق التوقف عندها. أولا، الاستفادة من هذا الدعم مشروطة بالاستناد إلى وثائق رسمية تُودَع ضمن ملف الترشيح تثبت صفة “الشخص في وضعية إعاقة” (من المفترض بطاقة الإعاقة)، وهو ما يضع المترشح أمام معضلة الإفصاح عن وضعيته الصحية في وثيقة عمومية، في سياق مجتمعي لا يزال يتعامل مع الإعاقة أحيانا بنوع من الوصم أو الشفقة. ثانيا، الحافز المالي يذهب إلى خزينة الحزب لا إلى المترشح مباشرة، مما يترك لسلطة الحزب التقديرية تحديد كيفية استثمار هذا الدعم في الحملة الفعلية للمترشح المعني. ثالثا، سقف مصاريف الحملة الانتخابية للمترشح الواحد لا يأخذ بعين الاعتبار الكلفة الإضافية التي قد يتحملها مترشح في وضعية إعاقة (مرافقة، تنقل مُيسَّر، وسائل تواصل بديلة)، وهو ما يجعل الحافز المالي على مستوى الحزب لا يُترجَم بالضرورة إلى تكافؤ حقيقي للفرص على مستوى المترشح الفرد نفسه.
من التصويت إلى الترشح: نقاش سياسي متجدد
ما يميز الاستحقاق المقبل عن سابقيه هو أن النقاش بدأ يتجاوز حدود “تيسير التصويت” نحو سؤال أكثر جرأة: تمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم داخل قبة البرلمان. فمقترح الحزب الاشتراكي الموحد بإحداث كوطا برلمانية من 12 مقعدا و قبله كان مطلبا لبعض الفعاليات المدنية، إلى جانب الحوافز المالية للأحزاب التي تضع مرشحين في وضعية إعاقة على رأس لوائحها، يفتح نقاشا لم يكن مطروحا بهذه الحدة في المحطات الانتخابية السابقة، ويتقاطع مع مطالب المجتمع المدني بتعزيز حضورهم و خاصة النساء تحديدا داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة. هذا التحول الذي انتقل من مطلب “الولوج إلى صندوق الاقتراع” إلى مطلب “الجلوس على مقاعد صنع القرار”، يعكس نضجا تدريجيا في المقاربة الحقوقية للإعاقة بالمغرب، وإن كان لا يزال في طور المذكرات والمقترحات، دون أن يترجم بعد إلى نص قانوني ملزم قبيل موعد 23 شتنبر 2026.
العوائق التي تحول دون المشاركة السياسية الفعلية للأشخاص في وضعية إعاقة
تتقاطع، في تفسير محدودية المشاركة السياسية الفعالة للأشخاص في وضعية إعاقة ، ثلاثة مستويات من القيود البنيوية، يغذي بعضها بعضا، ولا يمكن فك أحدها بمعزل عن الآخرين:
1. العائق الحزبي
لا تزال الأحزاب السياسية المغربية، في غالبيتها، تتعامل مع ترشيح الأشخاص في وضعية إعاقة كإجراء شكلي لاستيفاء صورة “التنوع” أكثر منه استراتيجية حقيقية للتمكين. فحتى حين تُرشَّح هذه الفئة، غالبا ما توضع في مراتب غير قابلة للفوز داخل اللوائح، بعيدا عن “الرتب المؤهِّلة”، بما يُفرغ الحافز المالي المشار إليه أعلاه من مفعوله العملي اذا استمر نفس النهج. كما تفتقر أغلب الأحزاب إلى آليات داخلية لتكوين قيادات مستقبلية من الأشخاص في وضعية إعاقة (مسارات تكوينية، لجان متخصصة، حصص تمثيلية داخل الأجهزة القيادية، ادماج بعد الإعاقة في الأدبيات و البرامج الحزبية التأطيرية)، ولا تزال المقرات الحزبية والاجتماعات العمومية والمناظرات الانتخابية نفسها، في كثير من الأحيان، غير ميسّرة الولوج بكل معاييرها لهذه الفئة، وهو ما يحد عمليا من فرص مشاركتها حتى داخل الأحزاب التي تُبدي انفتاحا خطابيا على الموضوع.
2. العائق القانوني
على عكس المرأة، التي استفادت من آلية اللائحة الوطنية المخصصة والمضمونة قانونا منذ سنوات، لا يتوفر الأشخاص في وضعية إعاقة على أي حصة (كوطا) مضمونة بنص قانوني ملزم داخل القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب؛ فمقترح اللائحة الوطنية من 12 مقعدا لا يزال، إلى حدود صياغة هذا المقال، في طور المذكرة الحزبية ولم يتحول إلى نص تشريعي. كما أن اشتراط تقديم وثائق رسمية تثبت وضعية الإعاقة للاستفادة من الدعم المالي المُعزَّز يخلق، من الناحية القانونية، عتبة إفصاح إلزامي قد تُثني بعض المترشحين المحتملين. ويضاف إلى ذلك، كما سبقت الإشارة إليه، غياب فصول صريحة في القانون رقم 57.11 والقانون التنظيمي 27.11 تُلزم بترتيبات تيسيرية محددة وملزمة ودائمة داخل مكاتب التصويت نفسها، بما يُبقي هذه الترتيبات رهينة السلطة التقديرية لوزارة الداخلية من محطة انتخابية إلى أخرى.
3. العائق الاجتماعي
تكشف أرقام البحث الوطني حول الإعاقة أن الحاجز الأعمق قد يكون سوسيولوجيا قبل أن يكون قانونيا أو حزبيا: فحين لا يعرف أكثر من نصف الأشخاص في وضعية إعاقة 54 % وجود أي جمعية يمكنهم الانخراط فيها، وحين لا تتجاوز نسبة الوعي الكامل بالحقوق 10,6 %، يصبح الحديث عن “الترشح للانتخابات” سقفا بعيد المنال بالنسبة لغالبية هذه الفئة، قبل حتى أن تُطرح مسألة الولوجية المعمارية أو الدعم المالي. ويضاف إلى ذلك عامل النوع الاجتماعي: إذ تنخفض نسبة الانخراط الجمعوي لدى الإناث في وضعية إعاقة إلى 4,8 % مقابل 7,4 % لدى الذكور، ما يعكس تراكم أشكال الإقصاء حين تتقاطع الإعاقة مع النوع الاجتماعي. كما تلعب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإفصاح عن الإعاقة، والنزعة العائلية إلى “الحماية الزائدة” التي تحد من الظهور العمومي للأشخاص في وضعية إعاقة، والغياب شبه التام لهذه الفئة عن التمثيل الإعلامي والسياسي اليومي، دورا في إعادة إنتاج هذا الإقصاء من الفضاء العمومي جيلا بعد جيل.
ما الذي ينقص فعليا؟
استنادا إلى المرجعية الدولية والوطنية، وإلى الممارسات الميدانية المرصودة، يمكن حصر أبرز الترتيبات التيسيرية التي لا تزال غائبة أو غير معممة في خمسة مجالات رئيسية:
أولا: الولوجية المعمارية الشاملة لمكاتب التصويت: منحدرات، ممرات كافية العرض، طاولات اقتراع بارتفاع مناسب، ومواقف سيارات مخصصة قريبة من المدخل.
ثانيا: تعميم تسهيلات الإعاقة البصرية: بطاقات وقوالب « Gabarit »تصويت بارزة بطريقة برايل على كل الدوائر دون استثناء.
ثالثا: تسهيلات الإعاقة السمعية: لوحات إرشادية بالصور والرموز، ومقاطع توعوية بلغة الإشارة، وتكوين أعضاء مكاتب التصويت على الحد الأدنى من التواصل مع الناخبين الصم.
رابعا: الولوجية الرقمية الكاملة لمنصات التسجيل والمعلومة الانتخابية، بما يمكّن الأشخاص في وضعية إعاقة من التحقق من تسجيلهم وتحديث معطياتهم دون الحاجة الدائمة للتنقل أو الاستعانة بالغير.
خامسا: اعتماد نص تنظيمي موحد – مرسوم أو دليل إجرائي وطني ملزم – يجمّع كل هذه التسهيلات في وثيقة مرجعية واحدة قابلة للتتبع والتقييم، بدل تشتتها بين مذكرات إدارية ظرفية تتغير من انتخابات إلى أخرى.
سادسا: تضمين استمارة التسجيل (الورقية و الإلكترونية) معطيات حول إعاقة المسجلين في اللوائح الانتخابية تفاديا للإدلاء بشهادة الإعاقة عند الترشيح وتوفير الإدارة المشرفة على الانتخابات على خريطة توزيع الناخبين في وضعية إعاقة على مكاتب التصويت.
في الأخير يبقى الفارق جوهريا بين ما ينص عليه القانون وما يمارَس فعليا على أرض الواقع، خصوصا على مستوى التعميم الشامل للترتيبات التيسيرية وضمان استمراريتها وإلزاميتها القانونية. ومع اقتراب موعد 23 شتنبر 2026، يصبح هذا الاستحقاق التشريعي محكا حقيقيا لقياس ما إذا كانت الإرادة السياسية المعبَّر عنها في المذكرات والمطالب الأخيرة ستترجم إلى التزامات ملموسة، أم ستبقى، كما جرت العادة، رهينة الوعود الموسمية التي تتجدد مع كل استحقاق دون أن تتحول إلى حق مكتسب ومضمون قانونيا وعمليا.
فمن بين 1.73 مليون شخص في وضعية إعاقة مواطنون ينتظرون أن يمارسوا حقهم في التصويت والترشح بكرامة واستقلالية، في حين هناك إدارة انتخابية لا تزال تتعامل مع هذه التسهيلات كاستثناء لا كقاعدة، و من ثم يظل السؤال مطروحا: هل ستكون انتخابات 2026 محطة القطيعة مع منطق “المبادرة الظرفية”، أم مجرد تكرار لمشهد سبق أن عاشه المغرب في محطات انتخابية سابقة؟
ذ.كريم الشرقاوي
خبير في المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة
[1] مرسوم رقم 2.26.190 القاضي بتحديد تاريخ الاقتراع في 23 شتنبر 2026؛ انظر: وكالة الأنباء الإفريقية (APAnews)، 5 مارس 2026؛ وموقع Médias24، 5 مارس 2026
[2] الجريدة24، “قبل انتخابات 2026.. 16 مطلبا تضع الأحزاب أمام اختبار حقوق ذوي الإعاقة”، 13 غشت 2026؛ مبادرة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة.
[3] هسبريس، “الاشتراكي الموحد يقترح آليات لتعزيز المشاركة السياسية لذوي الإعاقة”، 2 أكتوبر 2025
[4]المندوبية السامية للتخطيط، النتائج التحليلية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، مارس 2026.
[5]وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، البحث الوطني الثاني حول الإعاقة بالمغرب، نتائج مقدَّمة بتاريخ 26 أبريل 2016 (بيانات ميدانية جُمعت أبريل-يونيو 2014)، محور “المواطنة”.
[6]دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الديباجة والفصول 19 و30 و31 و34.
[7]الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، المادتان 2 و29؛ صادق عليها المغرب سنة 2009.
[8]القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، الصادر بالظهير الشريف رقم 1.16.52 بتاريخ 27 أبريل 2016، الجريدة الرسمية عدد 6466 بتاريخ 19 مايو 2016.
[9]القانون رقم 03-10 المتعلق بالولوجيات، ومرسومه التطبيقي رقم 2.11.246 الصادر في 30 شتنبر 2011، والقرار المشترك رقم 2306-17.
[10]القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة، والقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.
[11]الانتخابات التشريعية السابقة جرت في 8 شتنبر 2021 (اقتراع ثلاثي: تشريعي وجماعي وجهوي)، وليس سنة 2025 كما ورد في بعض المصادر؛ انظر ويكيبيديا بالفرنسية، “Élections législatives marocaines de 2026″، وموقع Article19.ma.
[12]المرسوم رقم 2.16.666 المتعلق بمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية، بصيغته المعدَّلة بموجب مشروع مرسوم صادقت عليه الحكومة يوم 2 أبريل 2026؛ انظر: هسبريس، “نصوص قانونية تنظم الانتخابات التشريعية بالمغرب تدخل حيز التنفيذ”، ماي 2026؛ وموقع العمق المغربي، 11 أبريل 2026.
[13]تصريح مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال الندوة الصحفية الأسبوعية لمجلس الحكومة، 2 أبريل 2026؛ نقلا عن موقع 24 ساعة.





