أحواش دمنات.. حين تتحول إيقاعات الذاكرة إلى جسر بين الأجيال

ما إن تبدأ إيقاعات الدفوف في الانبعاث حتى تتجه الأنظار نحو “الحلقة”، حيث تنتظم الأجساد في صفوف متناسقة، وتتردد الأهازيج في الأرجاء. هكذا كان المشهد بمدينة دمنات خلال الاحتفال بعيد الشباب المجيد، حين أخذ فن “أحواش” مكانه في قلب الاحتفالات، مستعيدا حضوره كأحد أبرز تعبيرات الموروث الثقافي الأمازيغي بالمنطقة.
وقدمت جمعية “اجديكن نتركا” عروضا تفاعل معها الحاضرون بحماس، لتتحول المناسبة إلى لحظة تتجاوز الترفيه الفني البحت، وتستحضر جانبا من ذاكرة جماعية ما تزال تنبض في تفاصيل الحياة الاجتماعية للمنطقة.
فـ”أحواش” ليس مجرد رقصة أو إيقاع عابر يؤدى في المناسبات. إنه إبداع جماعي تتداخل فيه الحركة بالكلمة واللحن، ويقوم أساسا على الانسجام التام بين المشاركين، جاعلا من الحلقة فضاء للتعبير والتواصل، بعدما ارتبط على امتداد أجيال بالأعراس والمواسم والاحتفالات.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس جمعية “اجديكن نتركا”، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن تنظيم عروض “أحواش” بمناسبة عيد الشباب يشكل فرصة سانحة للتعريف بهذا الموروث، وإبراز الدور الحيوي للشباب في صون التراث الأمازيغي.
وأضاف أن الجمعية تسعى جاهدة لتشجيع الناشئة على الاهتمام بهذا الفن وممارسته كجزء من الهوية المحلية، مشيرا إلى أن استمراريته تظل رهينة بتناقله بين الأجيال، وبتوفير فضاءات تتيح للفرق إبرازه للجمهور.
ورغم بساطة أدواته، يستند “أحواش” إلى منظومة فنية دقيقة، فالدفوف تضبط الإيقاع، والأهازيج تمنح الأداء بعده التعبيري، بينما تضفي الحركات الجماعية طابعا بصريا فريدا. وهو انسجام يتطلب الممارسة، ويعتمد على معارف تتناقلها الأجيال بالمشافهة.
من جهته، أبرز رئيس فرقة “أحواش” المشاركة، أن طابع هذا الفن الجماعي يتطلب انسجاما كبيرا بين أفراد الفرقة، سواء في الأداء الصوتي أو الحركي، لنسج لوحة فنية متناسقة.
وأشار إلى أن أعضاء الفرقة يكتسبون مهاراتهم ويضبطون تنوع الإيقاعات من خلال الميدان والاحتكاك المباشر بالرواد، مما يجعله تراثا حيا متجذرا ينتقل شفهيا وعمليا داخل المجتمع.
وفي دمنات ومحيطها، يظل هذا الفن لصيقا بالإنسان والمكان. فالأهازيج لا تؤدي وظيفة فنية فقط، بل تستحضر عادات وقيم تشكلت عبر الزمن، مانحة أبناء المنطقة وسيلة للاحتفاء بانتمائهم وإعادة اكتشاف عناصر من هويتهم الثقافية.
ولعل حضور الشباب في “الحلقة” هو الضامن الأكبر لبقاء “أحواش”. فحين يقف الشاب إلى جانب من سبقوه، لا يتعلم مجرد حركة أو إيقاع، وإنما يتشرب جزءا من ذاكرة المكان ليحمله بدوره إلى المستقبل.
من هنا، تكتسب المبادرات الجمعوية أهمية مضاعفة في إبقاء هذا التراث حاضرا في المشهد الثقافي. كما أن برمجته في مناسبات وطنية كعيد الشباب تتيح لجمهور أوسع اكتشاف رمزيته، وتثمن التعبيرات الفنية المحلية في ظل الاهتمام المتنامي بالتراث اللامادي.
وبين إيقاع الدفوف وحركة الصفوف، بدا “أحواش” بدمنات أكثر من مجرد فقرة احتفالية, بل كان استحضارا لذاكرة تتحرك على إيقاع الحاضر، ورسالة تؤكد أن التراث يظل حيا حين يجد من يحمله ويعلمه. ففي كل حلقة “أحواش”، تحضر روح الماضي لتفسح المجال أمام المستقبل، مما يجعل هذا الفن الجماعي تعبيرا أصيلا يواصل ربط الإنسان بجذوره وذاكرته الثقافية.




