من رمز للاحتجاج إلى مصدر للخطر.. الجرارات تشعل جدلا قانونيا في هولندا

لم تعد الجرارات التي تعبر الطرق السريعة في هولندا مجرد صورة مألوفة لاحتجاجات المزارعين، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى محور نقاش مجتمعي وقانوني متصاعد بشأن الحد الفاصل بين الحق في التظاهر وضرورة حماية سلامة مستعملي الطريق.
فبعد سنوات من الاحتجاجات التي جعل فيها المزارعون من جراراتهم إحدى أبرز أدوات الضغط على الحكومات المتعاقبة، يبدو أن المزاج العام الهولندي بدأ يتغير، لا سيما بعد حادث مميت وقع على الطريق السريع “A59” قرب هيسخ، في شرق برابانت، عند نهاية ازدحام مروري تشكل أثناء توجه قافلة من الجرارات إلى مظاهرة في مدينة دن بوش.
الحادث، الذي أودى بحياة شخصين وأصاب ستة آخرين، أعاد بقوة إلى الواجهة سؤالا ظل يرافق هذه التحركات: إلى أي حد يمكن للحق في التظاهر أن يبرر استخدام مركبات زراعية بطيئة على طرق سريعة يمنعها القانون أصلا من السير فيها؟
وتكشف الأرقام أن هذا السؤال يجد صدى متزايدا لدى الرأي العام. فقد أظهر استطلاع أجراه برنامج “إين فانداغ” التابع لهيئة البث العمومي الهولندية “AVROTROS”، وشمل أزيد من 19 ألف شخص، أن 65 في المائة من المستجوبين سئموا احتجاجات المزارعين على الطرق السريعة، بينما اعتبر 58 في المائة أنه من غير المفهوم استمرار تساهل الشرطة معها.
وعندما وضع المشاركون أمام خيار واضح بين التساهل مع دخول الجرارات إلى الطرق السريعة أو تدخل السلطات لمنع ذلك، اختار 73 في المائة منهم تشديد التعامل، فيما أيد 79 في المائة تعميم الإجراءات الصارمة التي اعتمدتها السلطات في تفينتي على مختلف أنحاء البلاد.
واللافت أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع التعاطف مع المزارعين أنفسهم. فما يزال 64 في المائة من المستجوبين يتفهمون أسباب احتجاجهم على سياسة خفض انبعاثات النيتروجين، لكن نسبة المتعاطفين مع طريقة الاحتجاج على الطرق السريعة هبطت إلى 34 في المائة فقط، بعدما كانت تبلغ 89 في المائة عند إجراء الاستطلاع للمرة الأولى سنة 2019.
وهكذا، يبدو أن جزءا كبيرا من الهولنديين بات يميز بين مشروعية المطالب ومشروعية الوسيلة المستخدمة للدفاع عنها.
وتعود موجة الاحتجاجات الحالية إلى اعتراض منظمات زراعية على سياسة الحكومة الرامية إلى خفض انبعاثات النيتروجين. وكانت الحكومة قد طرحت، في يونيو الماضي، حزمة إجراءات تستهدف خفض انبعاثات القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 42 و46 في المائة بحلول سنة 2035، إلى جانب فرض حدود على كثافة الثروة الحيوانية والانبعاثات الصادرة عن المزارع.
وفي شمال برابانت، اكتسبت المواجهة بعدا أكثر حدة مع احتجاج المزارعين على اعتزام سلطات المقاطعة سحب تراخيص خمس مزارع للدواجن، وهو الملف الذي دفع مئات المحتجين إلى التوجه نحو مقر حكومة المقاطعة في دن بوش.
لكن الحادث المميت على الطريق “A59” غير مسار النقاش. فبدلا من التركيز حصرا على مطالب المزارعين، انتقل الاهتمام إلى مسؤولية السلطات عن السماح للجرارات باستخدام الطرق السريعة، خصوصا أن القانون يحظر عليها ذلك بسبب سرعتها المحدودة وما يمكن أن يترتب عنها من مخاطر مرورية.
وأثار الأمر انتقادات من رئيس الوزراء روب ييتن، بعدما كانت الشرطة والنيابة العامة قد أعلنتا قبل الاحتجاج عدم منع الجرارات من دخول الطرق السريعة. وأوضحت الشرطة لاحقا أنها حاولت إبقاءها بعيدا عن هذه الطرق، لكن كثرة مسارات الوصول والمداخل جعلت ذلك صعبا، قبل اتخاذ قرار بالتسامح مع مرورها.
ومع تصاعد الجدل، باتت لهجة السلطات أكثر صرامة. فالنيابة العامة أكدت أن قيادة جرار على الطريق السريع تظل فعلا محظورا، وأن الإجراءات ضد المخالفين يمكن أن تتراوح بين الغرامة والملاحقة الجنائية، وهو ما ينطبق أيضا على السائقين الذين يخفون لوحات تسجيل جراراتهم لتجنب التعرف عليهم.
كما اتجهت السلطات المحلية إلى تشديد قواعدها؛ إذ أعلنت منطقة تفينتي أن استخدام الآليات الزراعية في مظاهرات على الطرق السريعة لن يعتبر جزءا من الحق المحمي في التظاهر، بينما أعلنت سلطات في فريزلاند ودرينته أنها لن تتسامح مع دخول الجرارات إلى الطرق السريعة تحت غطاء الاحتجاج.
وبينما سيظل المزارعون حاضرين بقوة في النقاش السياسي الهولندي حول النيتروجين ومستقبل الزراعة، تشير التطورات الأخيرة إلى تحول واضح في نظرة المجتمع إلى أساليب الاحتجاج. فالجرار الذي شكل لسنوات رمزا لغضب الفلاحين الهولنديين، بات وجوده على الطريق السريع يثير سؤالا مختلفا: ليس فقط لماذا يحتج المزارعون، بل إلى أين يمكن أن يصل الاحتجاج قبل أن يصطدم بسلامة الآخرين وبحدود القانون.





