شباب المغرب بين الثقة والأمل: كيف نبني جيلاً يقود المستقبل بدل البحث عنه في مكان آخر؟

يشكل الشباب اليوم أكبر ثروة استراتيجية يمتلكها المغرب، فهم جيل الرقمنة، وجيل الذكاء الاصطناعي، وجيل الانفتاح على العالم، وجيل المعرفة الفورية الذي يعيش في فضاء عالمي لا تعترف حدوده بالجغرافيا. إنه جيل يتابع التجارب الدولية لحظة بلحظة، ويقارن بين الفرص وجودة الحياة داخل وطنه وخارجه، ولذلك لم يعد من السهل إقناعه بالشعارات أو الوعود، بل أصبح يؤمن بالنتائج والإنجازات الملموسة.
إن شباب اليوم ليس جيلاً صعب الإقناع، بل هو جيل صعب الخداع. فهو يطالب بالعدالة، وتكافؤ الفرص، والكرامة، وإمكانية بناء مشروع حياة داخل وطنه. وإذا شعر بأن هذه المقومات غائبة، فإن أول ما يفكر فيه هو الهجرة، ليس حباً في مغادرة الوطن، وإنما بحثاً عن فرصة يحقق فيها طموحه.
ولذلك، فإن بناء الثقة بين الدولة والشباب لا يبدأ بالخطب، وإنما يبدأ بسياسات عمومية تجعل الشباب يشعر بأن مستقبله الحقيقي يمكن أن يصنعه في المغرب. فالثقة تولد عندما يرى الشاب أن مجهوده الدراسي يفتح له أبواب العمل، وأن الكفاءة هي معيار النجاح، وأن القانون يحمي الجميع دون تمييز.
كما أن تقليص الفجوة الاجتماعية أصبح ضرورة وطنية، لأن اتساع الفوارق بين الفئات يولد الإحباط ويغذي الشعور بعدم الإنصاف. فلا يمكن الحديث عن الأمل في المستقبل إذا كانت جودة التعليم والصحة والسكن وفرص الشغل تختلف بشكل كبير بين الجهات أو بين الطبقات الاجتماعية. إن تحقيق العدالة المجالية، والاستثمار في العالم القروي، وتطوير البنيات التحتية، وتحسين الخدمات العمومية، كلها عوامل تجعل المواطن يشعر بأن التنمية تشمل الجميع.
ومن جهة أخرى، أصبح من الضروري إطلاق نموذج اقتصادي جديد يضع الشباب في قلب التنمية، من خلال تشجيع ريادة الأعمال، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وإنشاء حاضنات للمقاولات الناشئة في مختلف الجهات، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي حتى تتحول المعرفة إلى مشاريع وفرص عمل. فاقتصاد المستقبل هو اقتصاد الابتكار، والذكاء الاصطناعي، والصناعة الرقمية، والاقتصاد الأخضر، وليس اقتصاد الوظائف التقليدية فقط.
كما ينبغي الاستثمار بقوة في التعليم العصري، الذي لا يكتفي بتلقين المعارف، بل يصنع المهارات، ويشجع التفكير النقدي، والإبداع، والعمل الجماعي، وإتقان اللغات، والتكنولوجيا. فجيل الثورة الرقمية يحتاج إلى مدرسة وجامعة تواكبان سرعة التحولات العالمية، وتعدانه لمهن لم تكن موجودة قبل سنوات.
وفي المقابل، فإن الحد من هوس الهجرة لا يكون بإقناع الشباب بعدم السفر، بل بجعل البقاء في المغرب خياراً جذاباً ومجدياً. فالهجرة يجب أن تبقى فرصة لاكتساب الخبرة والانفتاح على العالم، ثم العودة للمساهمة في تنمية الوطن، وليس هروباً من غياب الأمل. وكلما ارتفعت جودة الحياة، وتحسنت فرص العمل، وتعززت العدالة الاجتماعية، تراجع الإحساس بأن المستقبل يوجد فقط خارج الحدود.
ولتحقيق ذلك، يمكن إطلاق ميثاق وطني جديد للشباب يرتكز على التشغيل الكريم، والسكن اللائق، والتعليم الجيد، والصحة، والرقمنة، والابتكار، والمشاركة في صنع القرار. كما يجب إشراك الشباب في صياغة السياسات العمومية، والاستماع إلى آرائهم، لأنهم ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل شركاء في صناعتها.
إن المغرب يمتلك كل المقومات ليكون قوة إقليمية في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والابتكار، لكنه يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان قبل كل شيء، لأن الثروة الحقيقية ليست في الموارد الطبيعية، بل في العقول والكفاءات.
إن شباب المغرب لا ينتظر المستحيل، وإنما ينتظر فرصة عادلة ليبدع ويبتكر ويحقق ذاته. فإذا نجحنا في بناء الثقة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتحقيق العدالة، وتوفير فرص العمل والإبداع، فإننا لن نمنح الشباب الأمل فقط، بل سنجعلهم يؤمنون بأن مستقبلهم يبدأ من المغرب، وأن وطنهم ليس محطة للعبور، بل فضاء لتحقيق الأحلام وصناعة المستقبل.
إن الرهان الحقيقي للمغرب في العقود القادمة لن يكون فقط في بناء الطرق والموانئ والمدن الذكية، وإنما في بناء الإنسان، وصناعة جيل واثق من نفسه، معتز بوطنه، قادر على المنافسة عالمياً، ومؤمن بأن النجاح يمكن أن يولد من أرض المغرب كما يولد في أي دولة متقدمة. وعندما يتحقق ذلك، لن تصبح الهجرة حلماً جماعياً، بل ستصبح العودة إلى الوطن حلم كل مغربي نجح في العالم، لأن الأوطان القوية هي التي تمنح أبناءها أسباب البقاء قبل أن تطلب منهم التضحية.
البروفسور مصطفى الزياني
أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد الملك السعدي – كلية العلوم والتقنيات بطنجة
متخصص في الذكاء الاصطناعي والرقمنة وتحليل البيانات







