جهويات

“اقتصاد الإبل” يتحول لصناعة واعدة تقود ثورة اقتصادية بالصحراء المغربية

“اقتصاد الإبل” يتحول لصناعة واعدة تقود ثورة اقتصادية بالصحراء المغربية

بعد أن ظلت تربية الإبل لفترة طويلة من الزمن تقتصر على الاستخدامات التقليدية، بدأت اليوم تتبلور تدريجيا كمورد اقتصادي متكامل بالأقاليم الجنوبية. ويعمل الباحثون والتعاونيات بجهة العيون الساقية الحمراء لاستكشاف آفاق جديدة لتحويل الخبرات المتوارثة إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية.

ويحدث هذا التحول بجماعة فم الواد (إقليم العيون)، حيث يجري المعهد الإفريقي للأبحاث في الزراعة المستدامة (ASARI)، التابع لجامعة محمد السادس متعددة التقنيات، أبحاثا حول منتجات الإبل، مما يساهم في رسم معالم اقتصاد حيوي محلي قائم على استغلال موارد الإبل.

ويعد حليب الإبل أحد محاور البحث الرئيسية. فإنتاج هذه المادة لا يزال يعتمد إلى حد كبير على الأساليب التقليدية، على الرغم من أن عدد قطيع الإبل بالمنطقة يقدر بما بين 230.000 و250.000 رأس، موزعة بين جهات العيون – الساقية الحمراء، والداخلة – وادي الذهب، وكلميم – وادي نون.

وأوضحت البروفيسور بالمعهد الافريقي للأبحاث في الزراعة المستدامة، بوليانا مينديز دي سوزا، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن فرقها تعمل على تطوير العديد من المنتجات، خاصة “الياغورت” والأجبان المشتقة من حليب الإبل، على أمل أن يتم توسيع هذه المنتجات تدريجيا.

وأضافت مينديز دي سوزا، أنه خلف هذا الابتكار، يظل التحدي الأكبر هو المردودية، “لقد اختبرنا خلطات مختلفة من الحليب الحيواني والنباتي لجعل المنتجات في متناول الجميع وقادرة على ترسيخ مكانتها في السوق. وقد أثبت مزجها مع حليب البقر أنه الخيار الأمثل في هذه المرحلة”.

وحسب هذه الباحثة، فإن الهدف المعلن يتمثل في تجاوز مجرد تسويق الحليب الخام، والعمل على تطوير منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى، قادرة على زيادة دخل مربي الابل بشكل ملحوظ.

ومع ذلك، لا تزال بعض التحديات قائمة، أبرزها ضرورة خفض الحمولة الميكروبية لحليب الإبل بما يستجيب للمعايير الصحية المعتمدة لتسويقه، وهي خطوة ضرورية نحو قنوات التوزيع المنظمة والمهيكلة.

وإلى جانب الحليب، هناك منتجات أخرى تجذب اهتمام الباحثين. وتهم بشكل خاص دهن سنام الجمل، المعروف محليا باسم “الدروة”، والذي يستخدم منذ القدم في بعض التحضيرات الغذائية والطب التقليدي.

وتؤكد مينديز دي سوزا أن هذا الدهن يخضع حاليا لبحوث معمقة لاستكشاف استخداماته وتثمينه. مبرزة أن فرق البحث طورت العديد من النماذج الأولية المبتكرة، بما في ذلك شوكولاتة تحتوي على دهن “الدروة”.

وأوضحت أن أبحاثا أخرى تركز على استخلاص الجيلاتين من عظام الجمل، بهدف ابتكار بديل “حلال” للجيلاتين التقليدي المستخدم في صناعة الأغذية.

ويؤكد مدير المعهد الافريقي للأبحاث في الزراعة المستدامة بالعيون، لمفضل أكويسني، أهمية تقريب البحث العلمي من العاملين في الميدان، مشيرا إلى أن “الهدف هو تحويل المعارف التقليدية إلى معارف علمية منظمة، تستند إلى مناهج حديثة ودقيقة”.

ويلتزم المعهد، من خلال خبرة الباحثين به والمعدات المتوفرة لديه، بتحليل الاستعمالات المتوارثة من السكان المحليين لفهم أسسها، والتحقق من صحة استخداماتها علميا، وتعزيز إمكاناتها التنموية.

ويجد هذا الالتئام بين المعرفة الأكاديمية والتجريبية، جوابا ملموسا في تجربة تعاونيات محلية. ففي بوجدور، تعد تعاونية لمسيلة لإنتاج وتسويق منتجات الإبل، مثالا بارزا على ذلك.

ويستحضر ممثل هذه التعاونية، محمد فاضل طريح، مسلسل التكوين التدريجي الذي ساهم في تغيير ممارسات التعاونية، مبرزا في السياق: “بدأنا بوصفات تقليدية تعتمد على “الدروة” والنباتات المحلية. وقد أتاح لنا التعاون مع الباحثين تحسين هيكلة أساليب عملنا ورفع جودة منتجاتنا”.

وفي هذا الصدد، شارك أعضاء التعاونية في العديد من ورشات العمل التكوينية، التي نظمها المعهد الافريقي للأبحاث في الزراعة المستدامة، حيث أتاحت هذه اللقاءات لهم التعرف على المنهج العلمي واكتساب معارف جديدة في معالجة منتجات الإبل والاستفادة منها.

وقال: “لقد زودتنا هذه اللقاءات برؤى قيمة وساعدتنا في الحصول على نتائج أكثر موثوقية، تستند إلى أسس علمية راسخة”، مبرزا أنه بفضل هذا الدعم، تعمل التعاونية الآن على تطوير مجموعة متنوعة من المنتجات، بدءا من مستحضرات التجميل وصولا إلى الأطعمة التقليدية المميزة، مثل “تدكيت”.

وأضاف طريح “اليوم، لدينا آفاق واعدة للتطور”، معبرا عن سعادته قائلا: “إن أنشطتنا والنتائج التي حققناها مشجعة للغاية”.

وفي سياق هذه الدينامية، لا تتوارى المعارف التقليدية، بل تصبح موردا أساسيا للابتكار، بما يساهم في الرفع من موثوقية المنتجات وتحسين جودتها، ويعزز في الوقت ذاته اندماج التعاونيات ضمن سلاسل قيمة أكثر تنظيما وهيكلة.

وعلى تخوم التفاعل بين البحث العلمي والخبرات المتوارثة، تتيح سلسلة الإبل آفاقا جديدة للتنمية بالأقاليم الجنوبية. ويعكس هذا التحول بروزا تدريجيا لاقتصاد حيوي محلي، تتكامل فيه المعارف التقليدية مع الابتكار العلمي، بما يجعل منهما رافعتين متلازمتين للتنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News