مجتمع

12 ساعة عمل بدون تعويض.. المونديال يُعرّي هشاشة عُمَّال المقاهي

12 ساعة عمل بدون تعويض.. المونديال يُعرّي هشاشة عُمَّال المقاهي

كانت ليلة السبت/الأحد من الأسبوع الماضي مثقلة بالمشاعر المُتضاربة، السرور والفخر والانتشاء بالنتيجة التاريخية التي حققها المنتخب الوطني في مونديال 2026 ضد أحد جبابرة اللعبة، من جهة، وفي المقابل مشاعر التعب والقهر لفئة من المغاربة فرضَ عليها توقيت المونديال ظروف عمل تكاد ترقى لـ”العبودية”.

الساعة تشير إلى الثانية فجراً بشارع الفداء، على مقربة من أحياء “درب السلطان” الشعبية بالدار البيضاء. مضت سَاعة مُنذ غادر الجمهور المقاهي ليرتاح من فرجة أرهقت الحناجر والعواطف، وليَحلم بمفاجأة جديدة يخلقها “الأسود” في مونديال أمريكا وكندا والمكسيك، بعدما أثبتوا قدرتهم على ذلك على أرض الملعب.

وفي المقابل، ما زال عبد الصمد، نادل أحد المقاهي بالمنطقة، ومحمد (البارمان) يُنظفان المقهى، يُرتبان الكراسي والطاولات، ويَلتقطان شظايا الكؤوس التي كسرتها فرحة هدف صيباري.

الشابان يعملان منذُ الساعة الثانية نهاراً، 12 ساعة عمل مُتتالية في ضرب لكل القوانين والأعراف الشغلية التي تفرض عدم تجاوز وقت العمل 8 ساعات في اليوم، و10 ساعات في حال إقرار ساعات إضافية استثنائياً، تُحدد بدقة صيغتها وترتيباتها وعلاواتها المالية.

ولكن من يجرؤ على رفع عبارة “لا” في وجه “الباطرون”؟ لا سيما وأن الشابين، كمعظم العاملين في مقاهي درب السلطان الشعبية، لا يحظون بأي عقد شغل رسمي يضمن حقوقهم ويحميهم من جور “الرأسمالية المتوحشة” في قطاع ما زال غير مهيكل إلى حد كبير.

“وكُون غير شي زيادة…”، يقول عبد الصمد لـ”مدار21” بحسرة شديدة، مُؤكداً أن صاحب المقهى جاء مساء الأمس مستعجلاً، واكتفى بإعطاء تعليماته بإبقاء المقهى مفتوحاً إلى حين انتهاء مباراة المغرب ضد البرازيل، دون إقرار أي زيادة في الأجرة الأسبوعية؛ “أصحاب المقاهي يعتقدون أن البقشيش الذي يمن علينا به الزبائن كفيل بتغطية حاجاتنا وتعويضنا عن هذا التعب”.

لا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، يقول محمد من جهته، فوفقاً لقانون المداومة الجاري به العمل بالمقهى، “سيكون علينا إعادة فتح الأبواب غداً على الساعة السادسة صباحاً، وعدم تسليم الدوام للفريق التالي إلا عند الثانية زوالاً”، ما سيفرض على الشابين المبيت في المقهى والنوم لـ4 ساعات ليس إلا قبل استئناف العمل، ومن يهتم بصحتهما النفسية؟

قصة عبد الصمد ومحمد ليست سوى مثال صغير على معاناة كبرى ومستمرة لأجراء المقاهي بمدينة الدار البيضاء، ولا سيما مقاهي الأحياء الشعبية، فعلى الرغم من الجهود المبذولة مؤخراً للتصريح بهم للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتي مكنت بعضهم من اعتراف ثمين بالعلاقة الشغلية التي تربطهم بأرباب المقاهي، وضمان حد أدنى من حقوقهم، ما زال السواد الأعظم محروماً من هذا الترف.

الأجور هنا لا تتعدى 2000 إلى 2500 درهم شهرياً على الأكثر بالنسبة للـ”بارمان”، و1500 إلى 2000 درهم للنادل، بحكم أنه “كيدخل نهارو مع الكليان”، يقول عبد الصمد بتهكم من عقلية بعض أرباب المقاهي، الذين لا يتحرجون من ترك النادل رهينة لكرم الزبائن.

“الحقيقة أن هناك زبائن أسخياء بالفعل، لكن الأغلبية تكتفي بدفع ثمن مشروبها بلا زيادة أو نقصان، هذا ناهيك عن فئة أخرى لا تتحرج من المغادرة دون دفع ثمن المشروب، ونحن لسنا رجالاً آليين لنراقب الشاردة والواردة”، يضيف النادل مستطرداً؛ “وهناك من يتناول مشروبه ثم يُفاجئك بعبارة “تسالني”، غير تارك لك أي هامش للاعتراض، رغم أنك مدين له بـ10 مشروبات سابقة، هؤلاء لا يفهمون أن أرباب المقاهي لا يتساهلون معنا، نحن مُطالبون في نهاية اليوم بصرف المداخيل في الخزينة غير ناقصة درهماً واحداً، وبالتالي فنحن من ندفع من جيوبنا نيابة عنهم”.

“نادل”، “بارمان”، “عامل نظافة”… هذه صفات وألقاب لا تعني الكثير هنا، يضيف محمد، التخصص ترف برجوازي، فأحياناً يضطر شخص واحد للقيام بها جميعاً دفعة واحدة؛ “عاملة النظافة مثلاً تُغادر عند الساعة الثانية زوالاً، ابتداءً من هذه الساعة يصبح البارمان والنادل مُطالبين بتقاسم غسل الأواني وتنظيف الأرضية، علاوة على عملهما الأساسي، وكل ذلك بدون أي حافز مالي”.

سألت “مدار21” عبد الصمد عن الزيادات في أسعار القهوة والمشروبات أثناء مباريات المنتخب الوطني، والتي بررها أرباب المقاهي بتعويض العمال عن الساعات الإضافية، اكتفى بإطلاق قهقهة تهكمية خفيفة، وهز رأسه يمينا ويساراً في حركة أبلغ من أي جواب لفظي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News