لماذا تفشل السياسات؟

نادراً ما تعاني الحكومات اليوم من نقص في السياسات. فالاستراتيجيات تتكاثر، والإصلاحات يُعلن عنها بضجيج إعلامي، والقوانين تُنشر في الجريدة الرسمية بوتيرة قياسية. ومع ذلك، تبقى الحياة اليومية لملايين المواطنات والمواطنين على حالها تقريباً. المدارس ما تزال مكتظة، والخدمات العمومية غير موثوقة، والثقة في المؤسسات هشة. المشكلة ليست في الطموح، بل في الترجمة.
فشل السياسات غالباً ما لا يكون بسبب سوء الأفكار، بل بسبب الرحلة الطويلة والمعقدة من الورق إلى التطبيق.
المسافة الفاصلة بين القرار السياسي وأثره في الواقع هي المكان الذي تموت فيه أغلب الإصلاحات بصمت. هذا الفراغ نادراً ما يظهر في البلاغات الصحفية أو النقاشات البرلمانية، لكنه واضح ومؤلم بالنسبة للمواطنين الذين لا يعيشون الدولة كسلطة مجردة، بل كطابور انتظار.
أول خطأ ترتكبه الحكومات هو البدء بالمؤسسات بدل الناس. غالباً ما تُصمَّم السياسات انطلاقاً من الهياكل الإدارية، أو التفويضات القانونية، أو الأولويات القطاعية، وليس من المشاكل الملموسة التي يواجهها المواطنون. فعندما يهدف إصلاح ما إلى “تحسين جودة الخدمات” دون أن يسأل: كم ينتظر الناس؟ كم يدفعون؟ وكيف تتم معاملتهم؟ فإنه يخاطر بأن يصبح إصلاحاً منغلقاً على ذاته. المواطنون لا يعيشون السياسات؛ بل يعيشون نتائجها.
أما الفشل الثاني فيكمن في الوهم القائل إن اعتماد السياسة يعني تنفيذها. يتطلب التنفيذ تنسيقاً بين الوزارات، وتمويلاً مستداماً، وموارد بشرية مؤهلة، وقدرات محلية فعلية. وغالباً ما تتشتت المسؤوليات وتضيع المساءلة. وحين يكون الجميع مسؤولاً، لا يكون أحد مسؤولاً حقاً.
تقع الجماعات الترابية في صلب هذه الإشكالية (انتظروا كتابي الجديد بالفرنسية ابتداءً من 22 يناير 2026) وهو بعنوان:
«Le Pouvoir du Détail dans la Gouvernance des Collectivités Territoriales au Maroc – L’Humain, La Méthode et L’Impact Citoyen».
تصاغ السياسات عادة على المستوى الوطني، لكنها تُنفَّذ محلياً من طرف الجماعات الترابية والسلطات المحلية. وعندما تُمنح الصلاحيات دون موارد، أو تُوفر الموارد دون وضوح في المسؤوليات، يتعثر التنفيذ. والنتيجة هي أثر غير متكافئ: إذ يصبح ولوج المواطنين إلى حقوقهم رهيناً بالجغرافيا أكثر منه بالقانون.
ولا يقل خطورة عن ذلك غياب آليات التغذية الراجعة. فكثير من الحكومات تقيس النجاح بعدد الأنشطة (عدد المشاريع المُطلقة، أو الاجتماعات المعقودة، أو الأموال المصروفة) بدل تقييم ما إذا كانت حياة الناس قد تحسنت فعلاً. وبدون آليات تمكّن المواطنين من التبليغ عن الاختلالات، أو الطعن في القرارات، أو الإشارة إلى الفشل، تنفصل السياسات عن الواقع. يتوقف التعلم، ويحل التكرار محل الإصلاح.
فما الذي يتطلبه، إذن، تحويل السياسات إلى أثر ملموس على المواطنين؟
يبدأ ذلك بإعادة تعريف النجاح. فالسياسة الجيدة ليست تلك المكتوبة بإحكام، بل تلك التي تُحدث تغييراً مرئياً وقابلاً للقياس في حياة الناس، خاصة الفئات الأكثر هشاشة. وهذا يتطلب الانتقال من النوايا إلى النتائج، ومن الامتثال الشكلي إلى الأداء الفعلي.
كما يتطلب مشاركة حقيقية، لا كشعار بل كنظام عمل. فعندما يشارك المواطنون في تصميم السياسات واختبارها وتقييمها، تتقلص النقاط العمياء وتتعزز الشرعية. المشاركة ليست تنازلاً؛ بل أداة للنجاعة.
وأخيراً، يجب أن تكون المساءلة فعلية. ينبغي تقييم المسؤولين ليس فقط على أساس احترام القواعد، بل على أساس تحقيق النتائج. وتلعب مؤسسات الرقابة، والبرلمانات، والمجتمع المدني، والإعلام دوراً محورياً في ضمان ألا تتوقف السياسات عند حدود الوعود.
في زمن يتزايد فيه انعدام الثقة، ستعتمد مصداقية الحكومات أقل على ما تعلن عنه، وأكثر على ما يختبره المواطنون فعلياً. مستقبل السياسات العمومية لا يكمن في الاستراتيجيات الكبرى، بل في العمل الهادئ والمنضبط الذي يجعلها قابلة للتنفيذ.
لأن الدولة، في نظر المواطن، ليست وثيقة.
إنها تجربة يومية.
وفي تلك التجربة، تنجح السياسة أو تفشل.





