معهد فنون الصناعة التقليدية بإنزكان يجذب الشباب

في أحد صباحات نونبر مع ضباب خفيف، كانت بوابة المعهد المتخصص في فنون الصناعة التقليدية بإنزكان، تَعجّ بعشرات الشابات والشبان، يحملون ملفاتهم بين أيديهم وعيونهم تشرق بخليط من الخجل والانتظار. وهناك، كان مدير المعهد يستقبلهم والابتسامة لا تفارق محياه.
ويتحرك الطاقم الإداري بنشاط لمساعدة البعض على تعبئة الاستمارات، وتوجيه آخرين وتقديم المشورة لهم، كما يوجهونهم تباعًا نحو خريجين سابقين أو حرفيين متمرّسين تمت دعوتهم في هذا اليوم لتقاسم تجاربهم. و يبدو أنه من الواضح أن الشباب، التواقين إلى شقّ طريقهم في سوق الشغل، باتوا أكثر انجذابا لصيغة التكوين بالتدرّج التي يقدمها المعهد في عدد كبير من التخصصات.
وتقول سمية، البالغة من العمر 17 سنة: “أتيت للتسجيل بناءً على إلحاح صديقاتي اللواتي يشتغلن في تعاونية للخياطة. كما شجعتني أستاذتهن لإحساسها أن لدي شغفًا كبيرًا بهذا المجال”، مؤكدة أنها ترى في الحصول على دبلوم يجمع بين التكوين النظري وكثير من التطبيق العملي فرصة لا يجب تفويتها لتحقيق حلمها بإنشاء تعاونية خاصة ودعم أسرتها.
أما جمال، المنحدر من دوار سيدي مومون بإقليم اشتوكة آيت باها، فيقول إنه اختار الميكانيك كمسار مهني، مضيفًا: “أخي الذي حصل على دبلوم في تخصص الفراشة من هذا المعهد هو من نصحني”، مؤكداً أنه رغم تكوينه السابق في الألومنيوم، إلا أنه يميل أكثر إلى الميكانيك لكونها توفر فرص عمل أفضل، معربًا عن عزمه على فتح ورشته الخاصة مستقبلاً وقريبا من مسكنه.
وقد أُعطيت الانطلاقة مؤخرا للبرنامج الوطني “تدرّج”، الذي يهدف إلى تعميم التكوين المهني بالتدرج في عدد من قطاعات الإنتاج والخدمات، وتكوين 100 ألف متدرّب سنويًا بحلول 2026، في مجالات تشمل الصناعة التقليدية، والفلاحة، والصيد البحري، والسياحة، والصناعة والخدمات.
ويأتي هذا البرنامج متماشيا مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز منظومة التكوين المهني بالتدرج، ووضع الشباب في صلب التحول الاقتصادي والاجتماعي، وإعداد يد عاملة مؤهلة تواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية وتساير مختلف الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب.
وفي قطاع الصناعة التقليدية، تعبأت 12 غرفة جهوية للصناعة التقليدية وأربع جمعيات لتدبير مراكز التكوين والتأهيل في مهن الصناعة التقليدية لتعزيز العرض التكويني في مختلف المهن التقليدية الإنتاجية منها والخدماتية.
ويعدّ المعهد المتخصص في فنون الصناعة التقليدية بإنزكان واحدًا من هذه المراكز، إذ يقدم ثلاثة أنماط من التكوين: التكوين الأساسي، التكوين المستمر، والتكوين بالتدرج.
ويقول المدير الجهوي للصناعة التقليدية بجهة سوس ماسة، محمد بنعسيلة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء إن “هذا المركز واحد من أفضل المراكز جهوياً ووطنياً. يستقطب شبابًا يسعون إلى الحصول على دبلومات في الصناعات التقليدية ويغطي مجموعة واسعة من التخصصات، كما يشهد ارتفاعا كبيرا في برامج التكوين المستمر لفائدة الحرفيين ورواد الأعمال”.
وأضاف أننا “نسجل، لأول مرة، ثورة حقيقية في التكوين المهني وفق الاتفاق الموقع مؤخرًا”، موضحًا أن متدربي “تدرّج” يقضون 80 بالمائة من تكوينهم داخل مقاولات حرفية، و20 بالمائة فقط داخل المعاهد.
وبجهة سوس ماسة، سيتم تكوين 2.600 متدرّب خلال سنة 2025، والعدد نفسه في السنة التي تليها.
أما تورية حيمود، رئيسة تعاونية للخياطة بإنزكان، فتقول إن هذا البرنامج مبتكر ويساعد الشباب أكثر على الاندماج المهني: “وما يميزه أنه يركز أساسًا على الجانب التطبيقي”. موضحة أنها تُؤطِّر حاليا أربع فتيات.
وتضيف بفخر: “هذه تجربتي الثانية، ويمكنني أن أؤكد لكم أن جميع الفتيات اللواتي كنّ معي العام الماضي قد أطلقن بالفعل مشاريعهن الخاصة”.
ويقدم يوسف الهبة، خريج دفعة 2008 في مجال الحدادة الفنية من نفس المعهد، شهادة مماثلة، حيث يقول إنه أشرف خلال السنوات الماضية على تكوين العديد من الشباب الذين فتح كثير منهم ورشات خاصة ويكسبون رزقهم بكرامة، مسهمين في الوقت نفسه في الحفاظ على جزء مهم من التراث الثقافي والهوية الوطنية.
وفي مدة لا تتجاوز 11 شهرًا، يحصل المتدربون على شهادات تخول لهم العمل في المقاولات أو إطلاق مشاريعهم الذاتية. ويرى بنعسيلة أن التكوين بالتدرج يعدّ من أنجع الأساليب لخلق فرص الشغل وتشجيع الشباب على المبادرة، كما أنه رافعة للحفاظ على المهن التقليدية، إذ يشكل حضانة عملية لمجموعة واسعة من المهن الحرفية والخدماتية.
محفَّزةً بالقطاع السياحي، وبفضل استراتيجية شاملة للتحديث وإعادة الهيكلة، تشهد مختلفُ مهن الصناعة التقليدية، بوصفها جوهرة من جواهر التراث المادي والثقافي، دينامية كبيرة اليوم.
وتُعدّ التكوينات المهنية أحد الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية، إذ تلعب دورًا محوريًا من خلال تعزيز المهارات وضمان الإدماج المهني للشباب داخل قطاع ذي قيمة مضافة عالية.





