بورتريه

من الرواية إلى الزنزانة.. مسار صنصال يفضح “ديكتاتورية الخوف” بالجزائر

من الرواية إلى الزنزانة.. مسار صنصال يفضح “ديكتاتورية الخوف” بالجزائر

في عالم يُفترض أن الكلمة فيه حرّة، قد يتحوّل القلم إلى عبء ثقيل يقود صاحبه إلى الزنزانة. بوعلام صنصال، الروائي الجزائري المعروف بجرأته الصريحة وجرأته الفكرية، اختبر هذه الحقيقة على أرض الواقع عندما أعلن موقفه من الصحراء الشرقية، معتبرًا إياها جزءًا من التراب المغربي قبل إعادة ترسيم الحدود خلال الحقبة الاستعمارية.

تصريحات صنصال لم تُقرأ بالجارة كوجهة نظر سياسية فحسب، بل كانت إشارة تحدٍ للسلطة، التي تعاملت مع موقفه بعنف، فاعتُقل فور وصوله إلى مطار الجزائر الدولي في 16 نونبر 2024، ووجهت إليه تهمًا شديدة، شملت المساس بوحدة الوطن، وإهانة هيئة نظامية، والإضرار بالاقتصاد الوطني، قبل أن تصدر محكمة الجنح بالدار البيضاء (شرق العاصمة الجزائر) في مارس 2025 حكمًا بسجنه خمس سنوات وغرامة مالية كبيرة.

صنصال، الذي وُلد في 15 أكتوبر 1949 ببلدة ثنية الأحد في ولاية تيسمسيلت غرب الجزائر، ليس مجرد كاتب أو روائي، بل صوت نقدي بارز جمع بين الرواية والمقال السياسي، متنقلًا بين الأدب والوعي الاجتماعي، ومتطرقًا في أعماله إلى قضايا الذاكرة، الاستبداد، والهوية الوطنية.

روايته الشهيرة “Le Village de l’Allemand“، وبحسب كاتبين ونقاد، عكست قدرته على مواجهة السلطة بقلمه، لكن هذه المرة وفي مواجهة حكام العسكر لم تحمه الكتابة من العقاب حين ارتبطت تصريحاته بمواقف سياسية اعتبرتها السلطات تجاوزًا للخطوط الحمراء.

اعتقال صنصال أثار توترًا دبلوماسيًا كبيرًا، خصوصًا مع فرنسا، التي عبرت عن أسفها للحكم واعتبرته تجاوزًا للحدود القضائية، بينما استمرت السلطات الجزائرية في تشديد موقفها والتشبث بمحاكمة الكاتب، ما جعل القضية تتجاوز إطار الفرد لتصبح أزمة سياسية بين دولتين.

فشل الجزائر في التعامل مع هذه القضية بحكمة ألقى بظلاله على العلاقات الثنائية، ودفع دولًا أوروبية أخرى، وعلى رأسها ألمانيا، للقيام بدور الوساطة لحل الأزمة، بعد أن رفضت الجزائر معظم المقترحات الفرنسية والإيطالية، مما أبرز عناد النظام في التعاطي مع الضغوط الدولية.

وبعد مفاوضات سرية استمرت أشهرًا، أُفرج عن صنصال أخيرًا، ونُقل إلى برلين لتلقي العلاج الطبي، بعد أن قضى قرابة العام في سجن القليعة تحت ظروف قاسية، ما يعكس حجم القمع الذي تعرض له بسبب موقفه السياسي.

لم تكن هذه الخطوة مجرد مسألة إنسانية، بل نتيجة لضغوط دبلوماسية دولية كبيرة، بينما ظلت الجزائر تحاول تلميع موقفها وتجنب الاعتراف بأي خطأ، ما يوضح التحديات التي يواجهها الكتاب والمثقفون أمام أجهزة السلطة المتشددة.

خلال فترة اعتقاله، ظل بوعلام صنصال، وبحسب مقربين منه، صامدًا، محافظًا على موقفه ومبادئه، متحديًا القمع والضغوط المستمر ولم تنل سنوات الاحتجاز من صراحته أو من موقفه الرافض للتنازل عن قناعاته بشأن الصحراء الشرقية، ما جعله رمزًا للكاتب الذي يواجه الدولة دفاعًا عن موقفه الشخصي والفكري، وسط أصعب الظروف وأكثرها قسوة.

ومع إطلاق سراحه ونقله إلى ألمانيا، أُتيحت لصنصال فرصة لاستعادة حريته، لكنه لا محالة سيعود أكثر قوة وتجربة، مؤكدًا أن كلماته ومواقفه لا تنحني أمام الأنظمة القمعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News