سياسة

 هل يوظف العثماني “المنجز الحكومي” لاستمالة أصوات الناخبين؟

في الوقت الذي يُرتقب فيه أن يمثُل غدا رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، أمام البرلمان بمجلسيه لتقديم الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، وفق ما ينص على ذلك الفصل 101 من الدستور، تطرح إشكالات تتعلق من جهة بتوقيت تقديم هذه الحصيلة على بعد أسابيع من الانتخابات البرلمانية المقبلة، ومن جهة أخرى إفصاح عدد من وزراء الحكومة الحالية عن نيتهم في عدم الترشح للانتخابات المقرر إجراؤها في شتنبر القادم، مما يجعل من محاسبة هؤلاء الوزراء غير ممكنة، ويفقد هذه الحصيلة أي معنى.

وينص الفصل 101 من الدستور، على أنه “يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، إما بمبادرة منه، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين. تُخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها”.

وفيما لا تطرح هذه الخطوة الحكومية، أي اشكال من الناحية الدستورية، يرى مراقبون، أن اختيار الحكومة لهذا التوقيت بالذات لعرض حصيلة عمل الحكومة عشية الانتخابات، يمكن أن يفسر على أنه حملة انتخابية سابقة لأوانها، ومحاولة من الحكومة التي توشك ولايتها على الانتهاء لاستغلال المنجز الحكومي، للتأثير في السلوك الانتخابي للمواطنين المغاربة، وذلك على اعتبار أن الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة كان يفترض تقديمها في النصف الأول من عمر الحكومة، بدل انتظار الأمتار الأخيرة من عمرها.

وتعليقاً على الالتباسات التي يمكن أن تطرحها الحصيلة الحكومية، المقرر تقديمها غدا الثلاثاء خلال جلسة عامة مشتركة أمام البرلمان، أكد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط أحمد بوز، أن “ما يثير تقييم حصيلة الحكومة هو الشرعية الانتخابية لعدد من الوزراء بحيث يفترض أن يصعد الوزراء إلى الحكومة، عقب الترشح في الانتخابات، ولو أنه في الحالة المغربية يفقد الوزير الصفة التمثيلية بمجرد حصوله على عضوية الحكومة، مسجلا “المسألة المتعلقة بالأشخاص هي قضية جزئية بحيث لا يمكن تطبيقها في جميع الحالات والظروف”.

المحاسبة الشعبية للحكومة

وأضاف بوز، في حديثه لـ “مدار 21″، أعتقد أن غياب الوزراء من عدمه خلال الانتخابات المقبلة في ارتباط بالحصيلة الحكومية “ليس نقاشا جوهريا”، لأن إشكالية المحاسبة الشعبية تتم من خلال الاستفتاء على حصيلة منجزات الحزب الذي ينتمي إليه، عبر تقييم مدى صوابية اختياراته، وليس بمنطق هل سيعود هذا الوزير إلى الحكومة أم لا، معتبرا أن “غياب الوزراء عن قائمة الترشيحات خلال الانتخابات المقبلة، يطرح أي مشكلة لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الأخلاقية، بحيث يمكن أن نتساءل والحالة هاته ما ذنب الوزير الذي يمتنع حزبه عن ترشيحه، وكيف أن نتعامل مع الوزراء المستقلين أو ما يعرف بالتقنوقراط، خاصة ما يتعلق بالمناصب الحكومية السيادية التي عادة ما يتقلدها وزراء من هذا النوع”؟

وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أنه ” يمكن طرح القضية من زاوية ضرورة أن تكون الحكومة سياسية بامتياز بمعنى أن البروفيلات التي تشكل الجهاز التنفيذي، ينبغي أن تكون قد مرّت من اختبار صناديق الاقتراع، وهو ما يعني أن الانتخابات يتعين أن تكون لحظة لتقييم الأداء القطاعي، قبل أن يستدرك و”الحال أن هذه اللحظة تركز بشكل أكبر على الوعود البرنامجية سواء قدمها رئيس الحكومة باسم الأغلبية، أو أحد مكونات هذه الأخيرة، والتي يلتمس من خلالها استمالة أصوات الناخبين، بما يجعل من هذه الوعود تعاقدا سياسيا يصبح ملزما له.

التباس توقيت الحصيلة

وقال بوز إن ” عرض الحكومة لحصيلتها، لا يُثير أي اشكال من الناحية الدستورية، لكن الدستور يتحدث عن الحصيلة المرحلية، من ثم التساؤل الجوهري هل نحن أمام حصيلة نهائية أم مرحلية، خاصة أننا في نهاية الولاية الحكومية، وهل يجوز بناء على ذلك تسميتها بحصيلة نهائية رغم عدم حديث الدستور عن هذا الشكل من الحصيلة الحكومية؟ معتبرا أن “ما سيتم تقديمه غدا أمام مجلسي البرلمان لا يمكن اعتباره حصيلة مرحلية للحكومة، ذلك أنه من المفروض، للحصيلة المرحلية أن يتم تقديمها في نهاية النصف الأول من الولاية الحكومية”.

واسترسل المتحدث ذاته، وبالتالي يحق لنا التساؤل عن الأسباب التي دفعت الحكومة إلى تأخير عرض حصيلتها حتى عشية نهاية الولاية الحكومية، “مما يفضي إلى اعتبارها حصيلة نهائية، رغم أن الدستور يطرح مسألة الحصيلة المرحلية كإمكانية وليس بالشكل الملزم للحكومة، موضحا أنه “من الناحية النظرية هناك ثلاث مراحل فيما يتعلق بعرض الحصيلة الحكومية، والتي تتمثل في 100 يوم الأولى من عمر الحكومة، وهي فترة تخصص للتعرف على الملفات التي تنوي الحكومة معالجتها وفتحها.

وشدد أستاذ العلوم السياسية، على أنه يفترض أن تُظهر الحصيلة المرحلية، منجز الحكومة وأثرها في تدبير الملفات والقضايا والبرامج، مع الإشارة إلى ما لم يتم إنجازه ضمن البرنامج الحكومي، وتحديد جدولة زمنية لإنجازها، مشيرا إلى أن المرحلة الأخيرة، تهم عرض الحصيلة النهائية التي تسبق محطة الانتخابات البرلمانية، من خلال تقديم الحساب الذي على أساسه تمنح للناخب فرصة التقييم والاختيار بين العروض الحزبية.

التوظيف الانتخابي للحصيلة

في المقابل، يرى أستاذ القانون الدستوري، أنه “يمكن تسجيل أمر إيجابي فيما يتعلق بالحصيلة النهائية، أن تقدم منجزات الأغلبية الحكومية للناخبين لكي يحكموا عليها، ولو أن المعارضة، يمكن أن تعتبر لحظة الإعلان عن الحصيلة الحكومية في هذا التوقيت بالذات، بمثابة حملة انتخابية سابقة لأوانها، أو نوع من “محاولة استغلال المنجز الحكومي للتأثير في السلوك الانتخابي واستمالة المواطنين خلال محطة الانتخابات التشريعية القادمة”.

وأكد بوز، أنه “يجدر التنبه، إلى أنه من حقّ الحكومة تقديم حصيلة منجزاتها في الوقت الذي تراه مناسبا”، مردفا “لكن في انتظار ما سيعلن عنه رئيس الحكومة أمام مجلس البرلمان، سنراقب مدى إمكانية الحديث عن جوانب القصور في التدبير الحكومي، بمعنى هل ستعترف الحكومة بفشلها في تدبير هذا الملف أو ذاك، وتُقرّ بأخطائها في معالجة بعض الملفات الاجتماعية والاقتصادية، عما إذا كان بإمكانها توضيح الصعوبات التي اعترضت عملها والكشف عن طبيعتها”.

واعتبر أستاذ القانون الدستوري، أن هذه الممارسات هي مشروعة في إطار التدافع السياسي بين الفرقاء السياسيين، وهي ممارسة مقبولة ما دام أنها تتم بطريقة مشروعة لاستمالة أكبر عدد من الناخبين، سواء تعلق الأمر بالحكومة التي تعمل على استثمار وتوظيف المنجز الحكومي أو المعارضة التي تسعى لاستغلال هفوات وأخطاء الفاعل الحكومي.

وأبرز المتحدث ذاته، أن المميز في التجربة والممارسة المغربية، أننا نكون أمام أغلبية ائتلافية عادة ما لا تكون في مستوى الانسجام المطلوب، الذي يؤهلها لتقديم الحصيلة وفق رؤية واختيارات متوافقة بشأنها، خاصة في اللحظات الانتخابية، حيث تسعى كل الأحزاب بغض النظر عن تموقعها إلى تقديم عروضها الانتخابية بشكل منفصل وأحيانا مناقض لتوجهات الحكومة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحزب مشارك داخل الحكومة القائمة.

وخلص أستاذ القانون الدستوري، إلى أنه “يمكن للمعارضة أن تنطلق من هاته الحصيلة نفسها، وتستغل المنبر البرلماني وباقي الإمكانات المتاحة لها، لكي تطعن فيما قدمته الحكومة من منجزات، مقارنة بما تعهدت به ضمن برنامجها الحكومي الذي نالت به ثقة البرلمان، وهو ما يمكن أن يجعل من هذه الحصيلة تنقلب ضد الحكومة عوض أن تكون لصالحها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.