رأي

تصريح بايتاس حول “مول السردين” يبرز توجهات الحكومة وينسف جوقة “المعارضة”

تصريح بايتاس حول “مول السردين” يبرز توجهات الحكومة وينسف جوقة “المعارضة”

كم كانوا سيفرحون لو أن الناطق الرسمي باسم الحكومة انتقد “مول السردين” أو تجاهل الجواب على السؤال المتعلق به! كانوا سيقيمون حفلات ندب جماعي، يحيونها على وقع ضرب الصدور وشق الجيوب، ويوزعون المناديل الورقية على بعضهم البعض وهم يصرخون: “هل أصبحت الحكومة مع السماسرة والوسطاء؟” بل ربما كانوا سينظمون موكبًا جنائزيًا رمزيًا للسردين، تتقدمه لافتات تحمل شعارات: “لا لاحتكار الأسماك” أو “مع تحرير الأسعار وضد الاحتكار”، وتليه خطب عصماء عن “حقوق المواطن البسيط في العيش الكريم”، مع اتهامات للحكومة بحماية احتكار مزعوم يضر بمصلحة المواطنين.

لكن، ويا للأسف، خيّب الناطق الحكومي آمالهم حين قال: “يعكس توجهات الحكومة”. ضاعت الفرصة الذهبية، وانطفأت شموع الحداد السياسي قبل أن تُشعل! تحول المشهد فجأة، وبات لزامًا على من وجدوا نفسهم في المعارضة إعادة ترتيب أوراقهم بسرعة: كيف يمكننا تحويل هذا التصريح إلى مأساة جديدة؟ لينطلق بعدها سيل من التدوينات، في محاولة للركوب على الموجة، لكنها ليست مجرد موجة سياسية عادية، بل موجة مصطنعة برغوة مكررة، تظهر مع كل أزمة وتختفي مع خفوت العاصفة.

وفي غمرة البحث عن زوايا جديدة للهجوم، خرجت بعض العقول المدبّرة بفرضية ثورية: “ربما كان التصريح مجرد زلة لسان! ربما أراد بايتاس أن يقول: تعاكس توجهات الحكومة، لكن ضغط الكاميرات جعله يقول العكس!”

وبدل أن يصبح “مول السردين” مبادرة لتسليط الضوء على السماسرة و”الشناقة”، وجد نفسه ورقة مستهلكة من قبل من وجدوا أنفسهم في المعارضة، بدون بوصلة، لتصبح مرجعيتهم السياسية الوحيدة متمثلة في استغلال الأزمات من خلال اختلاق الافتراءات.

معارضة مشتتة، مفككة، بدون رؤية وبدون قدرة على التأطير أو التعبئة، لتجد ضالتها في الركوب على موجات السوشيل ميديا، بعد أن فقدت جميع الآليات المؤسساتية والحزبية. فمنهم من تحولت أطروحته من “صوتنا فرصتنا ضد الفساد والاستبداد” إلى “بغينا مول السردين في كل مكان”. طبعًا، مع الحنين والهيام والتلميح لعبديلاه “مول الصالون”، الذي يبيع هذه الأيام وهم الصدارة لما تبقى من مريديه، ليقنعهم بالانخراط في “الصينية”، التي كان يفترض أن تُبنى على إجراءات تنظيمية، فإذا بها تتحول إلى نداء استغاثة لإنقاذ مؤتمر يترنح بين أزمة تمويل وأزمة وجود.

حفلة السردين أغرت كذلك بعض خريجي “المدرسة” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يبدو أنهم لم يستشيروا زعماءهم الذين كانوا يطمحون للانضمام إلى هذه الحكومة. وهو ما قد يثير تساؤل المتابع، الذي قد يلتبس عليه المشهد، حول ما إذا كان سيكون موقفهم نفسه لو كانوا جزءًا من مكوناتها!

لم يتخلف عن هذه الجوقة كذلك مجموعة من الإعلاميين التائهين، الذين وجدوا أنفسهم على رصيف المشهد الإعلامي، فركبوا موجة “مول السردين” كطريق للتموقع واستعادة البريق المفقود أو لتحقيق غايات في نفس يعقوب، بدلًا من العمل على مناقشة الأحداث بموضوعية وواقعية تعطي للإعلام دوره الحقيقي في توجيه الرأي العام نحو القضايا الجوهرية.

لذلك فقد نسف تصريح الناطق الرسمي باسم الحكومة محاولات الركوب على الموجة لتصوير الحكومة كحليف للسماسرة، لتظل المعارضة، أو من وجدوا أنفسهم في المعارضة، في انتظار فرصة جديدة للركوب على أي أزمة، متناسين القضايا الحقيقية للمواطنين. مستمرين في تقليب الأوراق بحثًا عن “مول الدجاج” أو “مول البطيخ”، لتوجيه الانتقاد نحو الحكومة دون تقديم حلول عملية وواقعية. وبدلًا من أن يتحملوا مسؤولية المساهمة في تقديم مقترحات أو حتى انتقادات بناءة تخدم المواطن، سيظلون عالقين في لعبة حروب التصريحات والتأويلات، للركوب على كل أزمة جديدة لصناعة صراعات وهمية ومفتعلة تغطي على عجزهم في تفعيل معارضة قوية وبناءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News