بعد إقرارها في “المدوّنة”.. الغموض يكتنف طريقة احتساب “المساهمات غير المالية” للزوجين

من بين المقتضيات التي تسيل الكثير من المداد، التعديلات المرتقبة على مستوى المادة 49 من مدونة الأسرة، والمتعلقة بالتدبير المالي للأموال المكتسبة بين الزوجين؛ بين تيار حداثي يرحب بالاعتراف بالمساهمات غير المالية التي يقدمها الزوجان، والتي تتحملها النساء في الغالب، وتيار محافظ يخشى من زعزعة استقرار النظام العائلي التقليدي ومفاقمة مشكلة العزوف عن الزواج.
وفي نسختها الجديدة، يُنتظر أن تعترف المادة 49 من “المدونة” صراحة بالمساهمات غير المالية في إطار الزواج، على غرار الأعمال المنزلية وتربية الأطفال أو حتى الدعم المعنوي…
وكان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، ذكر أنه يتم العمل على تأطير جديد لتدبير الأموال المكتسبة أثناء العلاقة الزوجية، مع تثمين عمل الزوجة داخل المنزل، واعتباره مساهمة في تنمية الأموال المكتسَبة خلال قيام العلاقة الزوجية.
وفي هذا الصدد، اعتبر الموثق والمتخصص في تدبير الممتلكات، عبد المجيد بركاش، أن “هذا الإجراء الذي طالب به المدافعون عن حقوق النساء منذ فترة طويلة من شأنه أن يؤدي إلى تعويضات تاريخية لأجيال من النساء اللواتي تم تجاهل جهودهن في توزيع الممتلكات”.
ومع ذلك، يرى الخبير أن العديد من التحديات تلوح في الأفق أمام هذا المقتضى الجديد، أولها الطريقة التي سيتم بواسطتها تقييم المساهمات غير المادية، مُتسائلاً: “كيف يمكن قياس مساهمات غير ملحوظة بالعين المجردة في كثير من الأحيان، وذلك بطريقة عادلة وموضوعية؟ غياب منهجيات واضحة من شأنه أن يؤدي إلى تفجير نزاعات قضائية”.
من جهة أخرى، حذر الخبير من أن هذا المقتضى الجديد قد يؤدي إلى “تكريس الأدوار الجنسانية التقليدية: فعلى الرغم من البعد المبتكر فيه، إلا أن هذا الإصلاح قد يعزز فكرة أن على المرأة البقاء محصورة في الأدوار المنزلية وغير المأجورة، دون معالجة القضية الحقيقية المتمثلة في المساواة الاقتصادية بين الجنسين”.
واعتبر أن هذه التحديات “تعيد تسليط الضوء مرة أخرى على الافتقار إلى الجرأة السياسية اللازمة لإجراء قطيعة حقيقية مع المعايير الاجتماعية المتجذرة”.
وسجل بأنه على الرغم من كون التطورات المقترحة لا يمكن إنكارها، “إلا أن نجاحها سوف يعتمد إلى حد كبير على تنزيلها العملي”، مضيفا أن ذلك يتطلب تكوينا معمقا للعدول ومهنيي القانون.
كما شدد على ضرورة تحسيس المواطنين لإزالة الغموض حول القضايا المحيطة باتفاقات ما قبل الزواج والمساهمات غير المالية، مع توفير مواكبة قضائية لمنع الانتهاكات وضمان اتساق الاجتهادات القضائية مع هذه التحولات.
واعتبر بركاش أن هذا الإصلاح يعكس “محاولة لإيجاد التوازن بين متطلبات مجتمع مغربي في طور التحول من جهة واحترام الضوابط الدينية والثقافية من جهة ثانية”. متسائلا: هل يمكننا حقا أن نأمل في توافق بين التيارات الحداثية والمحافظة؟ “يبدو أن الجواب سلبي، حيث تختلف الرؤى حول مكانة المرأة في الأسرة والمجتمع بين هذين الطرفين”.
وخلص إلى أن “المغرب في سيره نحو الحداثة يجد نفسه الآن عند مفترق طرق، ولكن كما هو الحال في كثير من الأحيان، فإن التحول الحقيقي لن يكمن في النصوص، بل في الإرادة السياسية والمجتمعية لتطبيقها”.