فن

“جوفيدا”..فيلم فنلندي من أجل الذاكرة وضد الاستلاب

“جوفيدا”..فيلم فنلندي من أجل الذاكرة وضد الاستلاب

خلف قصة عائلية بسيطة على طريق استعادة الذاكرة، يثير الفيلم الفنلندي “جوفيدا” قضية كونية كبرى تتمثل في حماية التعددية الثقافية التي يجسدها تراث السكان الأصليين.

دشنت المخرجة كاتيا غوريلوف سلسلة عروض مسابقة الأفلام الروائية لمهرجان سلا الدولي لفيلم المرأة بعمل من تأليفها، معجون من صلصال ذاكرة شخصية والتزام أخلاقي يجد في السينما واجهة مثالية لطرح قضية حساسة دون التضحية بجماليات السرد السينمائي ودون تغليب خطاب نضالي احتجاجي مباشر.

من خلال الدراما الشخصية  ل”جوفيدا”، ينقل الفيلم الى العالم قصة جماعة لغوية وثقافية تواجه شبح الانقراض في شمال فنلندا بعد أن تعرضت لسياسات الدمج القسري الذي جعل لغة هامشية تدعى “سامي سكولت” تشارف على الاندثار بعد أن انحسر عدد الناطقين بها في 400 فرد، يستشعرون مسؤولية صيانة الطقوس والقيم وأنماط العيش داخل مجال قروي بسيط في امتداد الماء والبراري الباردة.

يبدو الأبيض والأسود اختيارا جماليا مناسبا لعمل يعتصر الذاكرة في سفر عبر الزمن، يولد من رحم الضرورة، حين تقنع شابة خالتها التي لم تلتقها قط بالعودة لتصفية إرث منزل الأسرة المهجور قبل تسليمه لمالكه الجديد. منذ المشهد الأول ترتسم في وجه الخالة “جو فيدا” معالم مأساة كائن انطوائي بإيماءات متوترة.

على مضض تعود، لأنها ستكون مدعوة الى “فلاش باك” طافح بالذكريات الحميمة الجميلة التي اغتالتها صدمات ومحطات استلاب خلقت نفسية مهزوزة.

“لا أعرف بعد كيف أرتق شباك الصيد، لكن أعدك أن أتدبر أمري”، تخاطب الطفلة جو فيدا جدها وهو يحتضر ليحمل معه طقوس وممارسات الصيد التقليدي وقيم التعامل مع الطبيعة، حيث يتردد في ذهن المشاهد ما يشبه وصيته وهو يخاطب حفيدته على القارب “ليس علينا أن نصطاد كل يوم. لنحافظ على سمك البحيرة، فهو نصيب أحفادك يا صغيرتي”.

من لقاء متوتر ونفور متبادل، تتعلم الشابة والخالة كيف تتعايشان وهما يواجهان سؤال الهوية: من نحن ومن أين أتينا؟ وهو السؤال الذي حرمت جو فيدا من اجتراحه داخل فصول المدرسة الفنلندية الحديثة ذات المقرر المنمط الذي يجسده أستاذ سلطوي ومدبرة مطبخ قاسية. بورتريهات شخصية مرسومة بعناية لتجسيد فعل الاجتثاث الذي يبدأ بالاسم، ف “جوفيدا” أصبحت قسرا “ليدا”، لأنه “الاسم الأنسب”، حسب القيمين التربويين، من أجل حياة فنلندية عصرية تريد استيعابها تحت شعار رسالة التحضر والتنمية في بلد يبتغي إعادة بناء شاملة على أطلال الحرب العالمية الثانية.

تبرع المخرجة في تدبير تعاقب الزمن الفيلمي بين وقائع الزيارة القصيرة للبيت المهجور والصفحات المستعادة من ذاكرة الخالة المنخورة بالخسارات ونزيف الفقدان، حد إقدامها على حرق ما صادفته من صور ورسائل. اقتصاد في الحوار وشاعرية في تشكيل الإطار داخل فضاء طبيعي لا يخفي الأبيض والأسود ألوانه المتخيلة وحفر أركيولوجي في الذاكرة الجماعية للأقلية الآيلة للاندثار من خلال صور وأزياء وطقوس وتراتيل صانها البيت الخشبي المهجور وصندوق ذكريات العائلة.

“إنه فيلم شخصي”، تؤكد المخرجة في تقديمها للفيلم، تستعيد به ذكرى أمها التي حملت ثقافة جماعة هامشية تعاند اجتياح زمن الحداثة القسرية. لكن هذه العاطفة الخاصة لم تجمح بها عن صناعة عمل فني بعناية فائقة بالتفاصيل وإنصات شفاف لما هو أصيل وأساسي في جماليات فيلم عن الذات، والذاكرة وعن الآخر أيضا.

كأن الأمر يتعلق بكتابة بصرية مضفورة بنسيج متعدد من فنون التعبير، يعكس مرجعية فنية وثقافية عميقة لصانعة العمل التي بنت عالما وديعا وناعما وإن أضمر صرخة إحياء وإغاثة لذاكرة جماعية مترنحة تنحدر منها في بلاد تصنف في ريادة الحداثة الأوروبية. ولعلها أرادت إنتاج أثر يضمن خلودا ولو نسبيا للغة آفلة، إذ يعتبر “جوفيدا” أول فيلم ناطق بلغة “سامي سكولت” في التاريخ.

بهذا الفيلم (99 دقيقة، 2023) الذي سبق أن شارك في مهرجان تريبيكا، تكرس كاتيا غوريلوف التي حصلت على جائزة أفضل فيلم وثائقي في جوائز الفيلم الوطني الفنلندي سنة 2016، مسارا سينمائيا تصاعديا، وهي التي سبق أن توجت عن أفلامها المطبوعة بحساسية إنسانية رفيعة في مهرجانات مختلفة حول العالم، في مقدمتها مهرجان برلين الذي استضاف فيلميها “أحلام معلبة” و “غابة كايسا المسحورة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News