سياسة

الذكرى الفضية.. استباق دبلوماسي ونجاحات ميدانية تطبع التدبير الملكي لملف الصحراء المغربية

الذكرى الفضية.. استباق دبلوماسي ونجاحات ميدانية تطبع التدبير الملكي لملف الصحراء المغربية

تحُّل ذكرى احتفال المغاربة بتربع الملك محمد السادس على عرش المملكة المغربية لهذه السنة في سياق يختلف عن السنوات السابقة، وذلك بإكمال عاهل البلاد لـ25 سنة من جلوسه على كرسي الحكم، فتكون مناسبةً لتخليد المغاربة لربع قرن من اعتلاء الملك محمد السادس لعرش أسلافه.

وإذا كان مرور 25 سنة من تولي الملك محمد السادس زمام الحكم بالمغرب قد رافقه تنزيل أوراش كبرى في مختلف المجالات التي تمس المعيش اليومي للمغاربة، فإنها أيضا محطة لترصيد الجهود التي قادها الملك في تدبير ملف الصحراء المغربية على المستوى المؤسساتي والتنموي والسياسي في سبيل تعزيز الطرح المغربي المدافع عن الحق في حوزة الأقاليم الجنوبية وصيانة الوحدة الترابية.

وبالنظر إلى المسار الطويل الذي سلكته القضية الوطنية الأولى طيلة السنوات الـ25 من حكم الملك محمد السادس فيمكن الرجوع إلى مجموعة من المحطات التاريخية التي ظلت راسخة في تاريخ تدبير المغرب للنزاع المفتعل في الأقاليم الصحراوية المغربية خلال عهد محمد السادس.

إلى ذلك، فإن استحضار أهم المحطات التاريخية في مسار قيادة الملك محمد السادس للسياسة الخارجية علاقةً بملف الصحراء المغربية يعيد إلى ذاكرة الممتبع لهذا الملف لحظات بارزة وعلى رأسها استباق الملك محمد السادس بإحداث المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية مرورا باقتراح مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الصحراوي وإقرار نموذج تنموي خاص بها وانتهاءً بدعوته إلى إنجاح مبادرة الأطلسي ضمن خطط المملكة لتحقيق إقلاع اقتصادي إفريقي مشترك.

“الكوركاس”.. مرحلة من المصالحة والإصلاح

إبراهيم بلالي اسويح، محلل سياسي وعضو بالمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، اعتبر أن “تشكيل المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية كانت تمليه طبيعة مرحلة جديدة من المصالحة والإصلاح داخليا وضرورة أخذ زمام المبادرة خارجيا من خلال مواجهة احتكار تمثيلية الصحراويين بالخارج من لدن جبهة البوليساريو”.

وتابع المحلل السياسي، في تصريح لجريدة “مدار21” الالكترونية، أن “الكوركاس جاء ليساهم ممثلو الأقاليم الجنوبية المغربية من خلاله في صياغة مشروع الحكم الذاتي وإعطاء الصبغة التشاركية الميدانية لحل المشاكل وإعطاء القوة الاقتراحية اللازمة من أجل اندماج تنموي فعال وتعزيز الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية”.

وأحال اسويح على الظهير المؤسس للمجلس بالإشارة إلى أنه “حدد أربع سنوات يتم بعدها تجديد هياكله”، مستدركا أنه “في المقابل وبالنظر إلى تسارع الأحداث لم يتم ضخ دماء جديدة فيه أو إعادة تركيبته وطريقة اشتغاله”.

ورغم وصفه حصيلة اشتغال المجلس بـ”غير المقنعة”، إلا أنه أكد أن المجلس “استطاع على الأقل التأسيس لتمثيلية تعددية في مواجهة منطق الحزب الوحيد للحركة الانفصالية سيتعزز بتمثيلية صناديق الاقتراع التي أصبحت من ركائز الممارسة الديمقراطية في المنطقة”.

وأشار المختص في الشأن الصحراوي إلى أن المجلس “ضم آنذاك ما يقارب 140 عضوا يمثلون مختلف الفعاليات والفئات، قبليا وأعيانا وشيوخا ومنتخبين ومن المجتمع المدني وأكاديميين ونساء”، مواصلا أنه “بعد مرور قرابة 18 سنة فقد توفي نصف أعضاء المجلس والأغلبية الباقية في سن متأخرة وهو ما عجل في محطات متتالية الدعوة لتجديد أعضاءه”.

وضمن ما يراه المتحدث نفسه مسألةً مهمة في مستقبل صيغة تركيبة المجلس، أورد اسويح أنه “لن تكون ولايمكن أن تكون بنفس المعايير السابقة لتغير إطارات الاشتغال كما هو الحال بالنسبة للشأن الحزبي حاليا”، مسجلا أن “المهام التي ستناط به مختلفة تماما عما سبق لأن المشروع التنموي هذه المرة كان موجها بمشاريع النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية والجهوية الموسعة قطعت أشواطا كبيرة من حيث مشاريع القوانين التنظيمية أو المؤسساتية وحتى من حيث الممارسة ناهيك عن الزخم الدولي الذي أصبحت تحظى به مبادرة الحكم الذاتي المغربية”.

ولفت عضو “الكوركاس” إلى أن “مفهوم النخب بالصحراء تغير جذريا حيث أصبح من الصعب معه بناء تصور لهيئة استشارية تتناسب مع الرهانات الكبرى للمملكة على الأقل في الوقت الراهن”.

مقترح الحكم الذاتي.. حل جدي لقضية محسومة

بعد تأسيس المجلس بفترة قصيرة، وسنة 2007 على وجه التحديد، طرح العاهل المغربي محمد السادس، مقترحا للحكم الذاتي خاص بالأقاليم الجنوبية لإنهاء النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، والذي حضي بعد تبلوره وبروز معالمه بدعم كبير من طرف العديد من الدول الوازنة على المستوى الدولي.

وفي هذا الصدد، قال الخبير في الشأن الصحراوي إن “إعلان المغرب عن مبادرته لمنح الأقاليم الجنوبية المغربية حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية جاء تجاوبا مع قرارات مجلس الأمن والدعوات الدولية للخروج من المأزق الذي عرفه مسلسل تسوية هذا النزاع المفتعل”.

بعد طرح الملك محمد السادس لمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية للملكة، يضيف اسويح أنه “لقي تجاوباً دولياً كبيرا”، مشيرا في هذا الصدد إلى أن “القرارات المتعاقبة وصفته آنذاك بالمقترح الواقعي وذي المصداقية سواء تعلق الأمر بقراري مجلس الأمن رقم 1754 أو 1783 أو القرار 1813 ثم القرار 1920 وصولا إلى قرار أكتوبر الأخير رقم 2703″، مشددا على أنها “قرارات رسخت ثوابت الحل السياسي الذي لا يمكن أن يكون إلا سياسيا وواقعيا ومتوافقاً بشأنه ما ينسف كل مخططات الجزائر والحركة الانفصالية للمناورة”.

وأشار الخبير ذاته إلى أن “هذا الحل التوافقي لن يتم إلا بالجلوس على طاولة المفاوضات التي حددتها القرارات الأممية المتعاقبة في أن تكون مستديرة وتحمل الجزائر مسؤولية المشاركة فيها، بل المسؤولية في إيجاد التسوية السياسية النهائية”، موردا أنه “ما يتماشي مع مضمون الخطاب التاريخي الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء باعتبره أنه لا يمكن مقارنة دولة عضو في الأمم المتحدة بحركة انفصالية ولا يمكن القبول بتغيير جوهر الصراع من إقليمي إلى تصفية استعمار وأخيرا أنه لا يمكن محاباة الجزائر باعتبارها الطرف الرئيسي في هذا النزاع المفتعل”.

الديبلوماسية الملكية في الصحراء.. زخم متواصل 

وعن عوائد الديبلوماسية الملكية في تدبير ملف الصحراء المغربية، استحضر المحلل السياسي  دور “زخم التعاطي الدولي مع ملف الوحدة الترابية في الانتقال من مرحلة كانت تأثيرات الحرب الباردة السلبية والغاز الجزائري تكس مواقف عدائية للعديد من الدول حول الشرعية التاريخية للمغرب على أراضيه إلى واقع جديد بفضل دبلوماسية هجومية متبصرة أسفرت عن اعتراف أكثر من 100 دولة بمغربية الصحراء وعدم اعتراف 84 في المئة من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بالكيان الوهمي وفتح العديد من دول العالم لقنصليات تمثيلية لها في العيون والداخلة بلغت قرابة 40 قنصلية”.

“مرحلة الذروة والإشعاع على مستوى المباركة والتأييد”، يسترسل اسويح أنها “كانت مع إعلان قوى عظمى اعترافها الصريح والتاريخي بمغربية الصحراء”، لافتاً في هذا الجانب إلى “الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2020 وكذلك ألمانيا وبلجيكا وهولندا وغيرهم من الدول الأوروبية التي بلغت أربعة عشرة دولة تؤيد مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحتها الرباط”.

أما المنعرج الحاسم إقليميا، حسب الخبير في ملف الصحراء المغربية، فقد جسده الموقف الإسباني بالاعتراف بحقيقة مغربية الأقاليم الجنوبية للمملكة على اعتبار الدور التاريخي لاسبانيا في الملف بصفتها المستعمر السابق للإقليم”، مبرزا أن هذا الموقف الاسباني المتقدم “هو ثمرة مسار دبلوماسية ملكية تقود بوصلة هذا النزاع نحو تأكيد الشرعية التاريخية والقانونية حول هذا النزاع المفتعل للصحراء المغربية”.

وعلى الصعيد القاري، أثنى عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوي على  التوجه الملكي بوقف سياسة الكرسي الفارغ بعد سنة 2017، مُشددا على أنه “أثمر تحييد استغلال الاتحاد الأفريقي في هذا النزاع المفتعل وحدَّ من هامش المناورة لخصوم الوحدة الترابية”.

وفي هذا السياق، استحضر المتحدث ذاته “قمة نواكشوط سنة 2018 والقرار التاريخي رقم 693 الذي حصر الاختصاص الأممي لهذا الخلاف الإقليمي”، مبرزا “تنامي تأييد الأفارقة لقضيتنا الوطنية ما أتاح دور فعال للدبلوماسية الملكية في أجهزة التنظيم الأفريقي خصوصا في مفوضية السلم والأمن الأفريقي”.

وتابع اسويح أن “قرابة ثلثي أعضاء الاتحاد الإفريقي يؤيدون الطرح المغربي”، مستدركا أنه في المقابل “ازدادت عزلة الجزائر إقليميا بعد تبني المغرب لمقاربة عسكرية متطورة وأمنية فعالة تعززت بإطلاق الملك مؤخرا للمبادرة الأطلسية الموجهة لدول الساحل التي من المنتظر أن تزيد من ربط المغرب بشراكات استراتيجية مع عمقه الأفريقي مما قزم من هامش مناورة الجزائر ومعها البوليساريو وانسداد الأفق للترويج للمشروع الانفصالي إيذانا بقرب انهياره”.

تنمية اقتصادية مرافقة للنجاحات السياسية

ولأن الاقتصاد يحرك السياسة، فإن تدبير الملك محمد السادس لملف الصحراء المغربية لم يقتصر على التدبير في بعده السياسية والمؤسساتي، وإنما شمل البعد الاقتصادي والتنموي للأقاليم الصحراوية بإطلاق نموذج تنموي خاص بهذه المناطق للرفع من وثيرة النمو الاقتصادي بها وهو ما جنت السياسة الملكية ثماره اليوم باستقطاب الأقاليم الجنوبية لمشاريع كبيرة ودولية تعزز انفتاحه على العمق الإفريقي.

المقاربة التنموية التي تبناها المغرب خلال 25 سنة الماضية كانت، حسب بلالي اسويح، “تلبية لمستويين؛ الأول يلبي احتياجات جاذبية الأقاليم الجنوبية والرفع من مستوى عيش مواطنيها والثاني يعطي البعد الواقعي والجدي للمبادرة المغربية على المستوى الدولي وهو أمر تجسد من خلال المشاريع المهيكلة للنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي كان الملك قد أعطى انطلاقته سنة 2015”.

واعتبر المصرح نفسه أن “أغلبية مشاريع البنية التحتية والطاقات المتجددة والفلاحة والصيد البحري والتأهيل الحضري أُنجزت بالكامل”، مشددا على أنه “ما أعطى دفعة إنتاجية لهذه الأقاليم وجعلها منصات للاستثمار وقاعدة مهمة لربط المغرب بعمقه الأفريقي”.

وأضاف الخبير في الشأن الصحراوي أن “استكمال هذا المسار التنموي هو الذي دفع مؤخرا الملك محمد السادس إلى الإعلان عن المبادرة الملكية الأطلسية مما يؤشر على استكمال الطريق نحو تجسيد الأوراش الكبرى لمغرب اليوم والمتمثلة في الجهوية المتقدمة التي وضع لها كمنطلق من الصحراء المغربية ومبادرة الحكم الذاتي الممنوحة لهذه الأقاليم خصوصا وأن المغرب بهذا البعد التنموي القاري أصبحت معه الأقاليم الجنوبية مرتبطة بمشاريع استراتيجية ضخمة كما هو الحال بالنسبة لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب الذي يربط بين أكثر من عشرين دولة في القارة السمراء”.

مبادرة الأطلسي.. أحدث أوجه النبوغ الملكي 

وبحكم أن تدبير ملف الصحراء المغربية لا يمكن أن يتم خارج نطاقه الجيوـ استراتيجي، فقد استبق الملك محمد السادس إلى الدعوة في خطاب الذكرى 48 من المسيرة الخضراء لإطلاق مبادرة الأطلسي، والتي تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى الفضاء الأطلسي في ظل معاناة الواجهة الأطلسية الإفريقية من خصاص ملموس في البنيات التحتية والاستثمارات، رغم مستوى مؤهلاتها البشرية، ووفرة مواردها الطبيعية.

وعن هذه المبادرة، أكد المحلل السياسي أن “الرهان الجيواستراتيجي للمملكة فرضته تحديات المحيط الإقليمي خصوصا في منطقة الصحراء والساحل حيث عدم الاستقرار والتهديد الإرهابي والجريمة المنظمة والاتجار في السلاح والبشر مما تطلب تدخلا عسكريا دوليا لقوى عظمى فشلت في تحقيق السلم والأمن مما عجل بتبني المغرب لمقاربة جيو استراتيجية تنبني على الشراكة موجهة لدول الساحل خصوصا التي ليس لها منفذ بحري”.

واعتبر اسويح أن الخطاب الأخير بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء “كان مناسبة للتذكير بأن مشاكل دول الساحل وأفريقيا عموما لن تحل بالمقاربات العسكرية والأمنية بل بالتنمية لمواجهة الهشاشة في إطار تعاون لشراكات رابح رابح”، وزاد مفسرا أنه “قد أعطي حينها الانطلاقة لمبادرة تهيئة المحيط الأطلسي للأقاليم الجنوبية وجعل بنياته التحتية في خدمة هذا المشروع التنموي لهذه الدول”.

وسجل عضو “الكوركاس” أن “استكمال الأوراش الكبرى للبنية التحتية التي كان النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية قد ساهم في توطينها خصوصا ميناء الداخلة الأطلسي وكذلك الطريق السريع والطاقات المتجددة والمنشآت العامة التكوين والصحة ستكون بسلم أكبر لأن الهدف هو خدمة هذا البعد الجيوـاستراتيجي خصوصا بتشييد مزيد من الموانئ بقدرات شحن أكبر ومطارات بمواصفات عالمية ثم استقبال استثمارات تتناسب والغاية من هذه المبادرة التي منذ إعلانها بات واضحا أنها تخدم المصالح العليا للمغرب على الأقل من حيث الانفتاح وثانيا تطويق الحديقة الخلفية للجزائر التي استغلت وضع هذه الدول لتوجيهها ضد مصالح المغرب”.

وخلص المحلل السياسي نفسه إلى أن هذه المبادرة الأطلسية “ستعزز من الدور الوظيفي للأقاليم الجنوبية في التجارة والاقتصاد العالمي على اعتبار أنها صلة الوصل في إحدى أهم المحاور البحرية في منطقة كانت تعرف إلى عهد قريب بأنها بؤرة توتر كما كانت تروج الجزائر البوليساريو منذ افتعال هذا النزاع الإقليمي أواسط السبعينيات من القرن الماضي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News