وجهة نظر

الحركة الوطنية والزوايا..قراءة في جذور العداء

ينطبق وصف الزوايا كجزء من التنظيمات الفكرية الدينية – التي لعبت دور سياسي في ما مضى- بالمغرب على الطرق؛ وهي مجموعة تنتظم تحت قيادة شيخ، تكتسب القدرة على تأطير الأتباع وتنظيمهم تنظيما محكما، “تأخذ شكل نادي ديني، أو بالأحرى نادي مغلق”[1]، ولعل الطابع القبلي لبنية المجتمع المغربي على مرّ التاريخ يستبدِه ربط الهيمنة الفكرية للزوايا كجهاز دعائي وإيديولوجي لما يرجح كفة السلطة المركزية على النظام القبلي، ولدواع تتعلق بضرورة تطبيق الشرع ستجنح الزوايا إلى التحالف مع السلطة لتكوين رؤية متجانسة تقتسم على أساسها المشروعية السياسية والفكرية، تحتكر السلطة المركزية الأولى، وتتفرد الزوايا بالثانية.

تنصرف الهيمنة الفكرية للزوايا عينها إلى ماعدّه محمد شقير فضاء لتلقين الأعضاء مجموعة من التعاليم والأذكار، بل إن الزوايا سمحت لنفسها باستلهام ورد خاص، حيث كان لكل واحدة منها ورد تتميز به،أي الإطار الإيديولوجي الذي  يفسح لها المجال لرسم نظرتها الدينية والاجتماعية والسياسية، وقد وجدت في تلاوة الأذكار وترتيلها أحسن وسيلة لترسيخ تعاليمها في أذهان أتباعها وزرعها في نفوسهم، هكذا تأسست المئات من الزوايا في المغرب كالدرقاوية والكتانية والناصرية..، وعلى الرغم من اتساع نطاق هيمنتها الفكرية وتطور أدواتها، فقد ظلت شديدة الاهتمام بالسياسة أعطت لنفسها بفضل قوتها التنظيمية مجالا للتأثير على الدوائر المخزنية،مستفيدة من استقطاب رجالات المخزن الكبار، بل في بعض الأحايين حتى السلاطين.

إذا كان ثمة مايدعو إلى وصف مسار الزوايا، أمكن القول ببساطة أنها نشأت على “يد رجال تميزوا بالإيمان المترسخ والقدرة على التأمل والمهارة في التعليم الروحي، لتدخل في طور ثاني، أولى أهمية خاصة للجوانب التنظيمية وترسيخ القواعد، وبسبب انتشار صيتها وتزايد أتباعها أضحت في مرحلة ثالثة تولي اهتماماتها إلى الاقتصاد والسياسة على حساب المهام الروحية والدينية”[2].

استمرت الزاوية تمارس وظيفة التحكيم، وكفضاء اجتماعي وكعنصر حاسم في خلق التوازنات السياسية إلى لحظة دخول الحماية الفرنسية وميلاد الحركة الوطنية، ولئن كان سياق نشأة الحركة الوطنية لهو سياق استئناف المقاومة السلمية القائمة على التفاوض والحوار بعدما فشلت المقاومة المسلحة التي تزعمها عبد الكريم الخطابي في الريف، فإن الأفكار التي تبنتها نخبة هذه الحركة باعتبارها نواة وعصب الحياة داخلها، انبنت على مرجعيتين تأثرت الأولى بالنظرة الإصلاحية المنحدرة من الشرق بينما ارتبطت الثانية في متحها من معين التمثلات الغربية للإصلاح، ومهما تكن التصورات السائدة لحظتئذ في ذهن نخبة الحركة الوطنية، فإن الذي لا مرية فيه هو سعيها المطلق إلى النجح في صد الاستعمار ومجابهته بمطالبته الإصلاح ثم نيل الإستقلال.

قيام نخبة الحركة الوطنية في وجه الزوايا يدخل في المرحلة الأولى من فترتها والتي تميزت بالدعوة إلى السلفية الوطنية والنضال ضد المستعمر والزوايا، هذا بالذات ماجعل محمد بن لعربي العلوي يدخل “بخلفيته السلفية والتي ورثها من أبي شعيب الدكالي في صراع مفتوح مع سلطات الحماية، مستفيدا من مرجعيته الدينية لإثبات انحراف الزوايا التي تبنت الطرح القدري في تبرير تعاونها مع الاستعمار”[3]، وعلى هذه الرؤية أسس بن لعربي تصوره بتشديده على إيعاز التخلف الديني للاستعمار والزوايا على السواء، وقد ترك هذا الأخير بالغ الآثر في جيل كامل من النخبة الوطنية يبقى أبرزهم علال الفاسي فمن منظوره تقترن الزوايا بالعمالة وتقديم السخرة للمستعمر، فهو لم يتردد وهو بصدد إلقاء دروسه في نبذ التصور الطرقي والتشهير بمواقفه المتعاونة مع المستعمر مركزا على ما قامت به من خيانة لحركة محمد بن عبد الكريم الخطابي.

نظرة الإهانة والتشنيع هاته هي نفسها التي سينحو على إثرها محمد بلحسن الوزاني، فموقفه لا يعدو أن يكون سوى موقف يعادي الزوايا في أنها منافقة وخادعة وماكرة ومشعوذة، تستعمل الدين في سبيل المنافع والأغراض والشهوات، ويفسر وجودها باعتباره عالة على المجتمع، فهي تستنفع الناس ولا تنفعهم، ومن باب المنافحة عن الإسلام يسير طرحه إلى نفي اعتراف الإسلام بالزوايا لأنه لايعترف بأي وساطات بين الله والعباد، فلا هي دور ثقافة أوتعليم، بل هي دور رقص، والذي يزيد من حدة استنكاره لوجودها شعوره المطلق بحسبانها أداة للمستعمر يتوسل إليها للاستمرارية في الاستعمار.

ومن وحي هذه التداعيات بدأت الزوايا تفقد بريقها تدريجيا، ماسيشهد تراجعا في وظائفها دون أن يشهد زوالا كاملا لهذه الوظائف كالبركة والوظيفة الاجتماعية، في مقابل نزع سطوتها الإيديولوجية والتحكيمية والسياسية، والأهم من ذلك أن تلك النظرة العدائية للزوايا ستدخل في اللاوعي الجمعي لنخبة الحركة الوطنية بجيلها الأول والثاني، وسيميل ميزان القوى لصالح الحركة الوطنية بما يجعلها تكسب الاعتراف لها كجزء من المقاومة وممن كان لهم دور ريادي في صناعة التاريخ السياسي المغربي المعاصر خاصة بعد تأسيس كتلة العمل الوطني وتقديم دفتر المطالب وإنشاء حزب الإصلاح الوطني، وتلازما مع اتساع نطاق المقاومة الذي أفضى إلى نيل الاستقلال، سيخفت صيت الزوايا بوصفها مدعاة إلى الإدانة.

يستعرض نور الدن الزاهي في كتابه الحزب والزاوية[4] الأسباب التي كانت وراء قيام هذا العداء للزوايا من قبل نخب الحركة الوطنية ويهمنا في حديث المؤلف استنتاجاته، وهي ما تنصرف هذه السطور إلى استخلاصه:

–  صراع نخبة الحركة الوطنية للزوايا استثمر لتحقيق تقارب النخبة مع السلطان وكسب ثقته ووده؛

– صراع نخبة الحركة الوطنية للزوايا انبنى على التخوف من الامتداد الواسع للزوايا داخل القرى والذي كانت ترى نخبة الحركة الوطنية في المجال القروي أرضية خصبة للعمل السياسي والمقاومة؛

– صراع نخبة الحركة الوطنية للزوايا لم يكن إلا لأجل ضمان التمثيل السياسي داخل بنية المجتمع المغربي.

[1] – “يتعلق الأمر بالزاوية الفاسية والحراقية بتطوان والتيجانية في جميع الحواضر الكبرى”، في عبد الله العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830-1912،ترجمة محمد حاتمي ومحمد جادور، المركز الثقافي العربي، ط1، 2016، ص178.
[2] – عبد الله العروي، نفس المرجع، ص 186.
[3] – خالد يايموت، تحديث السلطة السياسية في الفكر السياسي المغربي.. البيعة إلى مشروع الدستور، ط1، 2017،دار السلام، ص186.
[4] – نور الدين الزاهي، الزاوية والحزب..الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي، أفريقيا الشرق 2011.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *