ثقافة

“كرنفال بوجلود”.. رفض للمقاطعة بسبب غزة واستغراب لدعوات التحريم

“كرنفال بوجلود”.. رفض للمقاطعة بسبب غزة واستغراب لدعوات التحريم

يرفض مبارك سكتيوي، مؤسس الجمعية الإقليمية لكرنفال بيلماون، تحريم “بوجلود” الذي يحتفل به أبناء منطقة سوس سنويا، ورفع حملات لمقاطعته باعتباره جزءا من التراث المغربي.

ويضيف سكتيوي في تصريح لجريدة “مدار21″، أنه لا يمكن “اعتبار هذا الحدث حراما في الوقت الذي يحللون فيه تظاهرات فنية أخرى فيها كل المقومات التي تستدعي تحريمها”.

ولم يقبل مؤسس الجمعية عدم الاحتفاء بـ”بوجلود” بذريعة عدم تمكن أسر مغربية من تأدية شعيرة عيد الأضحى بسبب غلاء الأضاحي، أو بحجة الأحداث “القاسية” في غزة، مردفا: “هذه هي الحياة، البعض يموت فيها والبعض يولد، لا يمكن إيقاف مظاهر الاحتفال لمجرد حدث مأساوي في منطقة ما”.

وقال المتحدث ذاته إن الاستعدادات لهذا الحدث هذه السنة كما السنوات الماضية ولم تطرأ عليه أي تغييرات، في ظل ضعف التمويل الذي يعيق تطويره، ويحافظ على محدودية الاحتفال بهذا الطقس.

ويشدد المتحدث ذاته على أنه يجب أن يحصل المهرجان على الدعم المالي من قبل الجهة وكل المجالس، إذ “لا يمكن أن تتحمله البلدية لوحدها عبأه”، مشيرا إلى الاختلاف الكبير في الاحتفاء به خلال الستينات والثمانينات والتسعينات، الذي كان يعرف مساهمة كل أفراد المنطقة ويرتبط التزين فيه بوضع “الفحم” و”القرون” فقط.

وعن الانتقادات التي توجه إلى المحتفلين بهذا الحدث من الرجال بوضع مساحيق “الماكياج”، أكد السكتيوي أن الجمعية ترفض استعماله، وتطلب من المشاركين عدم استعماله لتفادي الانتقادات الموجهة إلى هذا الطقس.

وأضاف: “استعمال الماكياج يعد النقطة السوداء في هذا الاحتفال والذي يجلب علينا الانتقادات، لأن الهدف هو الحفاظ على هذا التراث وليس التزين”.

بدوره أحمد صابر، أستاذ وعميد سابق بجامعة ابن زهر وباحث في التراث الأمازيغي، شدد على أنه يجب أن يكون “الماكياج في حدود لائقة لا يخدش الحريات والهوية الثقافية”، مردفا: “فلا بأس باستعماله دون أن يكون الهدف منه البروز فقط، سيما أن بوجلود خاصيته الأولى إخفاء الملامح”.

ويرى أيضا أن شن حملات لمقاطعة احتفالات “بوجلود” غير معقولة، وفيها مزايدة واستغلال لما يجري في غزة، سيما وأن هذه الدعوات تتجدد كل سنة مع اقتراب عيد الأضحى.

ويقول صابر في تصريح لجريدة “مدار21” إن “الحياة تستمر، وحينما يتوفى أحد أفراد العائلة لا تتوقف عجلة الحياة عنده، لأنها عملية مستحيلة، لذلك فالمناداة بإيقاف كل التظاهرات الثقافية وضمنها بوجلود، مسألة لا أعتبرها معقولة”، مردفا: “صحيح نحن نتقاسم مع أشقائنا في غزة مآسيهم، لكن الحياة تستمر”.

وعدّ الباحث في التراث الأمازيغي أن “المناداة بمقاطعة بوجلود فيه مزايدة كبيرة، إذ إنه قبل أحداث غزة كانت هناك فئة رافضة لهذه التظاهرة، وترغب في إلغائها، علما أنها ظاهرة طبيعية للبشر، ومر منها الإنسان في يوم من الأيام، وأصبحت اليوم تمارس باعتبارها تراثا كما باقي الأنشطة التراثية”.

وتحدث عن تحريم بعض الفقهاء لاحتفالات بوجلود في وقت سابق، والتي كانت ترافقها دعوات للتخلي عن هذا الطقس بحسبه، محاولين طمس هذا التراث الذي يعتز بكونه جزءا من هذا التراث، وفق تصريحه.

وأشار إلى ضرورة الإقرار بأن الهوية الثقافية المغربية “عبارة عن هوية فسيفسائية، لأن فيها ما يعود إلى عصر ما قبل الإسلام، ومنها ما يعود إلى الإسلام حتى اليوم، وفيها ما هو وافد من تراث وثقافة أندلسية، ومن باقي أنحاء العالم، باعتبار موقع المغرب يحتم عليه أن يكون ممرا لكل تلك الثقافات”، مضيفا: “علينا أن نفتخر بكون المغرب فسيفساء ثقافية”.

ولا يعتبر الأستاذ الجامعي أن “بوجلود” بدعة، لكونها “كانت منغرسة في تاريخ المغرب القديم”، مستحضرا شكل الإنسان في العصور القديمة التي “لم يولد فيها الإنسان وهو يلبس ربطة العنق، إذ كان يحصل على ملابسه من الطبيعة، أي من النباتات، وبعدها لما امتلك الحيوانات مثل الأغنام راح يستفيد من حليبها ثم لحمها وعظامها وبعد ذلك من جلودها التي كان يتخذها لباسا، فالإنسان البدائي كان لباسه الجلد”.

وسجل أن “ظاهرة بوجلود التي يتم الاحتفال بها في سوس بصفة عامة في المغرب، هي وجه من أوجه التراث ولا ينبغي أن نسمع عنها النشاز ولو أنها تعود إلى ما قبل الإسلام وتستمر إلى اليوم بالموازاة مع عيد الأضحى، وأصبحت تدخل ضمن الطقوس التي تلي هذه المناسبة”.

وعن التطور الذي رافق هذه التظاهرة، قال صابر إن “كل ظاهرة من الظواهر تتطور لأن الإنسان بدوره يتطور”، مضيفا: “لا يمكن أن نتحدث عن صورة لبوجلود جامدة منذ أزل التاريخ، ولكن في الوقت نفسه، ينبغي أن نقر بأن التحولات التي طرأت على الميدان فرضت على بوادينا التي نعتز بها وباكتنازها لتراثنا الثقافي والتي ما تزال تحافظ عليه وتجعله جزءا من هويتنا المغربية شئنا أم كرهنا”.

ويضيف في السياق ذاته: “وهذا الاحتفاء الذي يصاحب عيد الأضحى في القرى والبوادي والساحات العمومية، أدخلته جماعة أكادير ضمن برنامجها التنموي، لإضفاء صبغة شعبية في مستوى عال”.

و”يشترط أهل الاختصاص أن تعكس التمثيلية التراث، لذلك تم خلال الموسمين الأخيرين وضع شروط للمشاركة، وإلزام كل المشاركين بها، بناء على ما يمليه التراث، لذلك يتم إقصاء الأشخاص الذين لا يحترمون هذه القاعدة”، يضيف المتحدث ذاته.

وعن التغيرات التي طرأت عليه، يوضح الباحث ذاته قائلا: “هناك أشياء ألحقت بهذا الحدث بحكم التطور الحضاري، مثل الحرص على تمرير رسائل منها المحافظة على النظافة بأزياء ترمز إلى هذه المهمة النبيلة لرجالها، وحضور اللوحات التراثية والموسيقى التي تناسب هذه الطقوس لمنح هذه التظاهرة نكهة شعبية وفرجوية”.

وصرح بأن هناك العديد من الأسر التي يشارك فيها الأب والأبناء في استعراضات بوجلود، مشيرا إلى أن “بوجلود في الأصل كان يمثل فئة الفلاحين التي تمارس تربية المواشي”.

وكان رواد مواقع التواصل قد شنوا حملة جديدة تطالب ساكنة أكادير بإلغاء كل مظاهر الاحتفال بالحدث السنوي “بوجلود” الذي ينظم بمناسبة عيد الأضحى، احتراما لما يجري في غزة من أحداث دامية، وفق المطالبين بالإلغاء.

وطالب نشطاء بعدم إقامة احتفالات بوجلود في أكادير هذه السنة على غرار عدم تنظيم باقي الاحتفالات الأخرى، تضامنا مع الفلسطينيين الذين بدورهم يدعون إلى احترام جراحهم وعدم الرقص على أحزانهم في الدول العربية.

ويسعى نشطاء مغاربة إلى مقاطعة كافة الحفلات المنظمة في المغرب، والدعوة إلى عدم إبراز مظاهر الاحتفال، إذ لا يفوتون الفرصة للهجوم على البرامج الترفيهية والسهرات وكذا الفنانين من خلال خاصية التعليقات، داعين إلى الالتفاتة لما يجري من تدمير وتقتيل في غزة ونقل صوتهم وإيقاف استفزاز مشاعرهم ومشاعر المتضامنين مع محنتهم.

يذكر أن بوجلود مهرجان فلكلوري تراثي مغربي أمازيغي يقام سنويا بمناسبة عيد الأضحى في مدينة الدشيرة على بعد 10 كيلومتر من وسط مدينة أكادير، حيث يقوم العديد من الأشخاص بارتداء جلود الأضاحي، التي تم ذبحها، في العيد.

وتتنافس ثلة من الشباب على خطف الأنظار خلال احتفالات “بوجلود” عبر الظهور بإطلالات غير مألوفة، وأقنعة مستوحاة من شخصيات أشهر المسلسلات والأفلام العالمية.

ويبدأ الاحتفال بكرنفال بوجلود غالبا في اليوم الثاني من أيام عيد الأضحى، حيث يرتدي الشباب جلود الأغنام والماعز ويضعون أقنعة على وجوههم ويقومون بالرقص ويتجولون في الأزقة وفي أيديهم يحملون قوائم الأضاحي التي يطاردون بها من يصادفونهم في الطريق ويضربونهم بضربة خفيفة والهدف منها نشر الفرحة والضحك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News