سياسة

الشغل والحماية الاجتماعية وحرية الرأي.. المغرب يستعرض بجنيف الأوراش الإصلاحية المحققة والمفتوحة

جاء التقرير المعروض من قبل المغرب في إطار الجولة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل، على مستوى مجلس حقوق الإنسان، ليعكس قيمة المكاسب التي تم تحقيقها على مستوى حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، ودينامية الأوراش الإصلاحية المفتوحة بالمملكة على مختلف الأصعدة.

وتمت صياغة التقرير الذي كان موضوع حوار تفاعلي واسع، أمس الثلاثاء في قصر الأمم المتحدة بجنيف، بحضور وفد مغربي ترأسه وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، وفق خمسة محاور شملت منهجية ومسار الإعداد، التقدم المحرز، الحماية الفعلية لحقوق الإنسان والنهوض بها في سياق التفاعل مع توصيات الاستعراض السابق، التكوين وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان ثم الممارسات الفضلى والتحديات والصعوبات.

ومنهجيا، أطلقت الآلية الوطنية لإعداد وتقديم التقارير الوطنية -المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان- مسار إعداد التقرير الوطني وفق منهجية تشاركية موسعة، تستجيب للمبادئ الأممية ذات الصلة، وشملت المشاورات مع المجتمع المدني ومناقشة الوثيقة داخل البرلمان.

وبخصوص التقدم المحرز، وثق التقرير الخطوات المنجزة على مستوى ترسيخ أسس التخطيط الاستراتيجي في مجال حقوق الإنسان، ومواصلة التفاعل مع الآليات الأممية، من خلال تقديم التقارير إلى هيئات المعاهدات، واستقبال اللجنة الفرعية للوقاية من التعذيب، والانفتاح على آلية الإجراءات الخاصة واستكمال مسطرة المصادقة على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والمصادقة على عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

ويشمل هذا التقدم انخراط المملكة في إعمال خطة التنمية المستدامة 2030، التي تشمل تثمين الموارد الطبيعية وتدبير آثار التغيرات المناخية، وتسريع الانتقال إلى التنمية النظيفة، فضلا عن القضاء على الفقر، والتقليص من الفوارق الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، وضمان تعليم جيد ومنصف.

كما يشير التقرير في هذا الباب إلى مواصلة تعزيز الإطار المؤسساتي لحقوق الإنسان، من خلال تعزيز أدوار المجلس الوطني لحقوق الإنسان وتقوية اختصاصاته، حيث تم اعتماد القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الذي عزز تدخله الحمائي، بإحداث ثلاث آليات وطنية تتمتع بالاستقلال الوظيفي، وهي الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب والآلية الوطنية للتظلم الخاصة بالأطفال ضحايا الانتهاكات والآلية الوطنية الخاصة بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة.

ويتضمن هذا المحور اعتماد القانون المتعلق بهيأة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، والقانون الصادر حول تقوية صلاحيات ومهام الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الذي أنيط به اقتراح التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسة اللغوية والثقافية، لاسيما تنمية اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية وما يخص الحسانية وباقي اللهجات والتعبيرات المغربية.

وفي مجال تعزيز الممارسة الديمقراطية، تكرس حرص المملكة على دورية الانتخابات وعلى تنافسيتها ونزاهتها، من خلال إجراء الانتخابات التشريعية الجماعية والجهوية بتاريخ 8 شتنبر 2021، والتي كانت مسبوقة بمراجعة قانونية وتنظيمية.

واستعرض التقرير أيضا بعض معالم التدبير الاستباقي لجائحة “كوفيد-19” بكافة تحدياتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وإقرار النموذج التنموي الجديد، بتوجيهات ملكية سامية، من خلال استشارات موسعة مكنت من تشخيص معمق لوضعية التنمية بالمملكة، وأفضت إلى وضع أسس ومرتكزات نموذج يقوي التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفق الاختيارات الاستراتيجية الثلاثة: ترسيخ الديمقراطية وتمكين المواطنين من المشاركة في تدبير الشأن العام؛ تعزيز العيش بكرامة في مجتمع منفتح ومتنوع وعادل ومنصف ثم تعزيز استثمار اقتصادي ذي قيمة مضافة، يستثمر بشكل مستدام ومسؤول.

وعلى صعيد إصلاح منظومة العدالة، شملت الخطوات المنجزة مواصلة الإصلاح المؤسساتي، من خلال تعزيز استقلال السلطة القضائية عبر إصدار القانون المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة. كما تم خلال سنة 2022 اعتماد القانون المتعلق بالتنظيم القضائي.

وتميز العمل في هذا القطاع بإيلاء عناية خاصة للسياسة الجنائية، حيث تعطى الأولوية لمشروع مراجعة قانون المسطرة الجنائية، المتضمن لتدابير تستهدف تقوية ضمانات المحاكمة العادلة، وذلك من حيث تحديد دور سلطة الاتهام وحقوق باقي الأطراف، والاعتقال الاحتياطي، والحراسة النظرية، واعتماد بدائل جديدة في نطاق العقوبة.

وفي مجال التكريس العرضاني لحقوق الإنسان في السياسات والبرامج الحكومية، توقف التقرير عند المكاسب التي أتت بها الخطة الحكومية للمساواة والبرامج الوطنية للتمكين الاقتصادي والتكفل بالنساء والسياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة والسياسة العمومية المندمجة للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة وصولا إلى البرنامج الوطني المندمج للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين 2020-2030 ثم السياسة الوطنية للهجرة واللجوء والمغاربة المقيمين بالخارج.

وأشار التقرير إلى ورش تعزيز الحماية الاجتماعية، مبرزا أن المملكة المغربية، وبمبادرة ملكية، انخرطت في ورش وطني يتعلق بالتعميم التدريجي للتغطية الاجتماعية لتشمل جميع المواطنين في أفق سنة 2025، مع تقوية برامج المساعدة الاجتماعية، وتنويع آليات دعم الفئات الهشة، وتوسيع التغطية الصحية الأساسية وأنظمة التقاعد، وتعميم الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.

وعلى مستوى المحور الثالث المتعلق بالحماية الفعلية لحقوق الإنسان والنهوض بها في سياق التفاعل مع توصيات الاستعراض السابق، استعرض التقرير التدابير التي تم اتخاذها لحماية الحقوق المدنية والسياسية من خلال حماية الحق في الحياة والقضاء على جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة.

وأشار في هذا السياق إلى مواصلة العمل بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام منذ 1993، وتقوية الإطار القانوني لمكافحة التعذيب وإيلاء عناية خاصة لادعاءات التعرض للتعذيب وسوء المعاملة عبر فتح أبحاث بشأنها، والنهوض بوضعية السجناء عبر مشروع إعادة تنظيم وتسيير المؤسسات السجنية وبرامج إعادة الإدماج السوسيو-اقتصادي للسجناء.

وبخصوص حماية حرية الرأي والتعبير، انصبت الجهود على مواصلة تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي ذي الصلة، وتعزيز بيئة حاضنة لممارسة هذا الحق، خصوصا عبر استكمال تكوين المجلس الوطني للصحافة واعتماد “ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة”، وإصدار القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات. كما أشار التقرير إلى جهود ضمان حرية التظاهر السلمي والاجتماع وتأسيس الجمعيات، مسجلا تنامي الفعل المدني في ظل المكتسبات الدستورية.

ويشكل النهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية ورشا بارزا في مضمون التقرير الذي يستعرض نماذج من السياسات الموجهة إلى محاربة الفقر والهشاشة والحد من الفوارق، خصوصا من خلال إطلاق المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية برسم 2019-2023، بغلاف مالي قدره 18 مليار درهم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية، وبرامج الحد من الفوارق الفئوية والمجالية.

ويشمل ذلك تنفيذ سياسات وبرامج لإنعاش الشغل، حيث عرف الاقتصاد الوطني إحداث متوسط سنوي لـ 121.000 منصب شغل خلال الفترة ما بين 2017 و2019، فضلا عن مكاسب برامج خاصة من قبيل “أوراش” و”فرصة”.

ويتعلق الأمر أيضا بمجهود مطرد من قبل المملكة لتعزيز منظومتها الصحية، حيث ارتفعت ميزانية قطاع الصحة بنسبة 88 في المائة بين سنتي 2010 و2021، وهو المجهود الذي تعزز في سياق جائحة “كوفيد-19″، وتوسيع التغطية الصحية. وهي جهود مكنت من تحسين مؤشرات صحة الأم والطفل.

أما في التعليم، فواصلت المملكة المغربية تفعيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، حيث تم اعتماد القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، لتمكن الجهود المبذولة من تحسين المؤشرات الأساسية المتعلقة بالولوج للتعليم وجودته وتكافئ الفرص، حيث بلغت نسبة التمدرس برسم الموسم الدراسي 2020-2021 بالسلك الابتدائي 100% بالمائة و94,7 في المائة بسلك الثانوي الإعدادي. و71,1 في المائة بالثانوي التأهيلي.

ووثق التقرير للخطوات التي تحققت على مستوى النهوض بالحقوق الثقافية، خصوصا عبر تثمين المكونات الوطنية الأمازيغية والحسانية والعبرية، وعلى مستوى إنفاذ الحق في بيئة سليمة والتنمية المستدامة، في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2030.

وفي المحور الرابع، لم يغفل التقرير المجهودات المبذولة من قبل الدولة في مجال التكوين وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، خصوصا لدى المكلفين بإنفاذ القانون، ليخلص في المحور الخامس إلى استعراض التحديات التي طرحتها الأزمة الصحية لـ “كوفيد-19″، حيث أكد أن المقاربة الوطنية لتدبير هذه الأزمة شكلت مناسبة لتكريس خيار حقوق الإنسان، باعتباره خيارا استراتيجيا للدولة، وتعزيز أدوار الدولة الحمائية والنهوض بمسؤولياتها، لاسيما ما يتعلق بترسيخ العدالة الاجتماعية والمساواة، والنهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الهشة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.