اقتصاد

الجفاف يفرض عقلنة استعمال الماء بالفلاحة بالمغرب والتخلي عن بعض الزراعات

يراهن القطاع الفلاحي بالمغرب، الذي يعاني هذا العام من تداعيات الظروف المناخية غير المواتية، على استخدام أكثر فعالية واستدامة للموارد المائية خلال الموسم القادم ، خصوصا عبر اعتماد حلول مبتكرة تمكن من تعويض الخسائر المسجلة هذه السنة.

فالموسم الفلاحي 2021-2022، الذي شهد واحدة من أشد موجات الجفاف بعد 2015-2016 و2019-2020، طبعه عجز كبير على مستوى التساقطات المطرية وندرة مياه الري والإجهاد المائي.

ومنذ اعتماد مخطط المغرب الأخضر، دخلت الزراعة السقوية حقبة جديدة من ترشيد وتثمين مياه الري، وذلك من خلال سياسة تشجيع تعميم التقنيات وأنظمة الري المقتصدة للمياه.

وفي هذا الصدد، تهدف استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” إلى بلوغ مليون هكتار من الري بالتنقيط بحلول عام 2030، من أجل رفع إجمالي المساحة المسقية إلى 1,6 مليون هكتار.

الماء مثل الغاز والنفط

وأكد الخبير الاقتصادي والمختص في السياسات العمومية، عبد الغني يومني، أن السبيل الوحيد المتاح من أجل تعويض الخسائر المسجلة هو إحداث قطيعة صريحة مع نموذج هدر الموارد المائية.

وقال الخبير إنه ينبغي تغيير النظرة لقيمة وفائدة المياه. فبالإضافة إلى كونها موردا لخلق القيمة المضافة والنمو الاقتصادي، يجب رفعها إلى مرتبة المواد الأولية وموارد الطاقة غير المتجددة، مثل الغاز والنفط، مبرزا أنها ليست مسؤولية الدولة فحسب، بل كذا القطاع الفلاحي في كل أبعاده.

وأضاف أنه ينبغي الابتكار في مجال الإنتاج الفلاحي عبر التخلي عن زراعات الفواكه والخضروات “التي تستهلك المياه بشكل كبير و تنتج القليل من القيمة المضافة”.

وفي هذا الصدد، اعتبر الخبير أن المغرب يتوفر على الكفاءات والأدوات اللازمة لتسقيف المساحات وتكييف الأراضي مع الزراعات وليس العكس.

وفي المقابل، ستمكن المشاريع المبتكرة كذلك من خفض الاعتماد على التساقطات المطرية، وذلك بالنظر إلى تجارب دول مثل سنغافورة وإسرائيل.

وأوضح يومني أن “سنغافورة نجحت في تحقيق اكتفائها الذاتي من الماء بفضل إضافة موردين، المحيط والمياه العادمة. المثال الآخر هو إسرائيل، إذ تنتج مدينة عسقلان ملياري متر مكعب من المياه المحلاة بكلفة 0,5 دولار للمتر المكعب عبر استخدام الغاز الطبيعي كطاقة مقابل كلفة دولار واحد للمغرب، أي الضعف”.

الجيل الأخضر : من أجل نجاعة تقنيات الري واقتصاد المياه

وفي ظل هذه الظروف الصعبة، وضعت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات خطة عمل تتضمن محورين من أجل مواكبة الأنشطة الفلاحية.

ويتعلق الأول بتدبير الظرفية من خلال تفعيل جميع الوسائل المتاحة لتهيئة الظروف المواتية وآليات الدعم للفلاحين، وخاصة الصغار منهم، وضمان إمداد الأسواق الوطنية.

أما الثاني فيتعلق بمواصلة تفعيل البرامج الهيكلية والاستراتيجية، عبر تنفيذ المشاريع المدرجة في إطار استراتيجية ” الجيل الأخضر ” (2020-2030).

وذكر يومني بأن هذه الاستراتيجية تهدف بالأساس إلى تحسين الإدماج الاقتصادي للشباب في الوسط القروي، عبر تشجيع التحول الرقمي لوسائل الإنتاج الفلاحي بغية تحسين الإنتاجية واستباق العجز المستقبلي في اليد العاملة.

وأبرز أن هذا التحول يتوخى جعل تقنيات الري واقتصاد المياه فعالة، ودعم أسواق التصدير، عبر تشجيع المنتجات عالية القيمة المضافة مثل الفواكه الحمراء وتلك التي تخلق أكبر قدر من فرص الشغل.

وهكذا، يرى الخبير أنه ينبغي مكافحة الجفاف وعجز التساقطات عبر تحكم أفضل في استخدام المياه، ومعالجة وتحلية مياه البحر، وتمدين العالم القروي وتجويد تمويله من أجل الحد من الهجرة القروية.

كما ذكر بضرورة إقامة أقطاب للتكوين الفلاحي مثل الثانويات والمعاهد التكنولوجية المتخصصة في الفلاحة والبيئة والانتقال الرقمي والطاقي.

الاستشارة الفلاحية: من أجل تحقيق الإدماج المالي والتنكولوجي والرقمي للفلاحين

و أكد الخبير أن الاستشارة الفلاحية تكتسي أهمية كبيرة، ويبرز دورها من خلال أولويتين لهما أهمية اقتصادية وبيئية.

أولا، يتعلق الأمر بالحد من المضاربة والأوضاع الريعية في ما يخص المنتجات الفلاحية لتمكين صغار الفلاحين العاملين من البيع مباشرة للمستهلكين وتحسين دخلهم وقدراتهم الاستثمارية.

وثانيا، ذكر الخبير أن دراسة عالمية أظهرت أن الخسائر في قطاع الفاكهة والخضروات تقدر بنحو 13,8 في المائة من حيث الحجم أثناء الحصاد والشحن والتخزين.

وبالتالي، ينبغي التفكير في تطوير زراعة حضرية كسياسة عمومية تهدف إلى خلق التكامل بين المناطق الحضرية والقروية، وخلق فرص الشغل، وتحقيق إنتاج فلاحي من الخضروات جد مفيد للاقتصاد وزيادة الوعي بالبيئة والتنمية المستدامة.

ورغم أن المواقع الإلكترونية حافلة بالمعلومات غير أن ما يحتاجه فلاحونا البالغ عددهم 11 مليونا هو قوافل متنقلة في الأسواق الأسبوعية والتفكير في الاستراتيجية الأكثر فعالية لتمكينهم من الإدماج المالي والتكنولوجي والرقمي.

علاوة على جميع الإجراءات التي اتخذتها الدولة للتعامل مع إشكالية العجز المائي، ولاسيما التتبع الدقيق لتطور الوضع المائي على مستوى جميع الأحواض وتعبئة موارد مائية إضافية، تبرز مسؤولية جميع الفاعلين في القطاع الفلاحي في ضمان التدبير والاستخدام الجيدين للموارد المائية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.