انتخابات.. السياحة تتطلع للانتقال من “نجاحات الأرقام” إلى المنافع الاجتماعية

ساعات تفصلنا عن انتخاباتٍ ستفرز الحكومة المغربية الجديدة، وإذا كان من ميدان أحرزت فيه الحكومة الحالية نجاحات يصعب الجدال حولها، فهو القطاع السياحي الذي شهد نمواً معتبراً في أعداد الزوار وليالي المبيت والمداخيل خلال السنوات الخمس الماضية. غير أن هذه النجاحات لا تُعد نهاية الطريق، بل لا يزال المغاربة ينتظرون ارتقاء العرض السياحي المُوجه للسياحة الداخلية، وانعكاس نمو الأرقام الدولية على الاقتصاد الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في القطاع السياحي، الزبير بوحوت، أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من سياسة تركز أساساً على استقطاب السياح إلى سياسة تقيس بشكل أكبر حجم المنافع الاقتصادية والاجتماعية والمجالية التي ينتجها النشاط السياحي.
وأوضح في تصريح لجريدة “مدار21” أن السؤال المركزي لم يعد هو فقط “كم سائحاً يستطيع المغرب أن يستقبل، وإنما كم من القيمة الاقتصادية يستطيع هذا السائح أن يولد، وأين تتولد هذه القيمة؟ ومن يستفيد منها؟ وكيف يمكن تحويل السياحة إلى محرك للتشغيل وتنمية المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف جهات المملكة؟”.
كما اعتبر أنه يَنبغي للسياحة الداخلية والعدالة المجالية أن تغدو من الأولويات الكبرى للسياسة السياحية الوطنية المقبلة، وأن “تنتقل معايير النجاح من مجرد عدد الزوار إلى مؤشرات أكثر ارتباطاً بالثروة والتشغيل والاستثمار والقيمة المضافة والاستفادة المجالية”.
وفي سبيل تحقيق ذلك، شدد على أن من أهم الأولويات إرساء لوحة قيادة وطنية جديدة للسياحة، تميز بشكل واضح بين السياح الأجانب، والمغاربة المقيمين بالخارج، والسياح المقيمين داخل المغرب، وتربط هذه الفئات بمؤشرات أخرى مثل مدة الإقامة، وعدد الليالي، وحجم الإنفاق، وفرص الشغل، والاستثمار، والقيمة المضافة، والتوزيع المجالي للعائدات السياحية.
وفي معرض جوابه عن سؤال بخصوص، انتظارات المغاربة من السياحة الوطنية في المرحلة المقبلة، قال بوحوت إن مسألة السياحة الداخلية تكتسي أهمية خاصة، “لأن انتظارات المغاربة لم تعد مرتبطة فقط بمدى قدرة المملكة على جذب السياح الأجانب، وإنما أيضاً بقدرة القطاع السياحي على تحسين الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين”.
“ظل نجاح السياحة المغربية، لفترة طويلة، يقاس أساساً بقدرتها على استقطاب الزوار الدوليين، وزيادة الطاقة الفندقية، ورفع المداخيل بالعملة الصعبة، وقد حققت هذه الاستراتيجية نتائج مهمة، إذ بلغ عدد الوصولات عبر الحدود حوالي 19.8 مليون وصول في سنة 2025، متجاوزاً بكثير الهدف الأولي المحدد في 17.5 مليون وصول بالنسبة إلى سنة 2026 ضمن خارطة الطريق 2023-2026″. يرى بوحوت، مضيفاً أن هذه النتيجة الكمية لا تكفي وحدها للإجابة عن انتظارات المواطنين، الذين أصبح السؤال بالنسبة إليهم أكثر ارتباطاً بالجانب الاقتصادي والاجتماعي: إلى أي حد يستطيع المغاربة أنفسهم الاستفادة من القوة السياحية لبلادهم؟”
أما الانتظار الثاني والأساسي فيتعلق بإمكانية ولوج المغاربة إلى السياحة الوطنية؛ “الحملات التي تدعو المغاربة إلى اكتشاف بلادهم تبقى مفيدة، لكنها لا يمكن أن تكون كافية إذا كانت الأسرة المكونة من أربعة أو خمسة أفراد لا تتوفر على الإمكانات المالية اللازمة للسفر”.
وأضاف: “لذلك ينبغي النظر إلى السياحة الداخلية باعتبارها قضية مرتبطة بالقدرة الشرائية والسياسة الأسرية والتنمية الاجتماعية، وليس باعتبارها مجرد مسألة تواصلية أو ترويجية. فالمواطن يريد أن يتمكن من زيارة الشواطئ والجبال والواحات والمدن التاريخية والمناطق القروية والمواقع الطبيعية دون أن يؤدي مجموع تكاليف النقل والإقامة والمطاعم والترفيه إلى تحويل العطلة إلى نفقة استثنائية يصعب تحملها”.
واعتبر أن مسألة الولوج إلى السياحة لا تنفصل عن جودة الخدمات؛ “السعر المنخفض وحده لا يعني أن العرض أصبح متاحاً، لأن المستهلك يريد في المقابل إقامة نظيفة وآمنة ومناسبة ومطابقة لمستوى السعر الذي يدفعه. وقد برزت انتقادات مرتبطة بارتفاع الأسعار خلال مواسم الذروة، ونقص العرض، وضعف المنتجات الموجهة للعائلات”.
وتابع؛ “لذلك فإن تطوير سياحة وطنية تنافسية يتطلب تنويع العرض ليشمل الفنادق من فئتي نجمتين وثلاث نجوم، والشقق الفندقية، والإقامات السياحية، والقرى السياحية، والمخيمات المهيأة، ودور الضيافة، والإيواء القروي، إضافة إلى عروض تجمع بين الإقامة والنقل والأنشطة”.
وشدد على أن الهدف ليس خلق مواجهة بين السياحة الدولية والسياحة الداخلية، وإنما جعل نمو السياحة الدولية عاملاً يساعد أيضاً على بناء عرض سياحي قادر على الاستجابة للطلب المغربي؛ “نجاح المغرب في الأسواق الخارجية ينبغي أن يتحول تدريجياً إلى رافعة لتحسين البنية والخدمات والمنتجات التي يستفيد منها المواطنون كذلك”.




