حوارات | فن

زويريق: “لمكتوب” لا يساير واقع المغاربة والفن لا يحاكم دينيّا

ينطلق الناقد السينمائي فؤاد زويريق من قراءة مخلصة للفن وقواعده  في تحليله لمسلسل “لمكتوب”، الذي تحول لقضية رأي عام بالمغرب بعد انتقادات دينية لمضامينه.

ويبسط زويريق، في حوار مع “مدار21، أوجه الضعف والقوة في هذا العمل الدرامي، داعيا، من ناحية أخرى، إلى ترك الفن بعيدا عن المحاكمات الأخلاقية.

ويرى أنه لا يمكن إقحام الدين في مسائل فنية، وأن محاكمة الفن والفنانين محاكمة أخلاقية من شأنها التأثير على مُتعة التلقي وجعل الفن متهما في أخلاقياته، عوض محاسبة فنيا، ف”الفن لا يُحاسب إلا فنيا بعيدا عن الدين والأخلاق والسياسة”.

الناقد الفني ينبه أيضا إلى أن مسلسل “لمكتوب” ليس أول عمل يتخذ من الشيخة أو من عالم ”تشياخت” موضوعه، بل سبقته أعمال عديدة.

نص الحوار:

ما تقييمك لمسلسل “لمكتوب”؟

مسلسل لمكتوب رغم أنه هو الذي تربع على عرش الدراما المغربية هذا الموسم، إلا أنه يعاني من بعض الثغرات الفنية والتقنية، وأول ثغرة أثرت في بنائه الدرامي وإيقاع أحداثه هو السيناريو، فالكتابة هنا مفككة ومهلهلة، كما أن القصة نفسها لا تساير ما يطمح إليه المُشاهد المغربي من أعمال تتحدث بلسانه وواقعه، خصوصا وأن المشهد العام لهذا المسلسل يحيلك على الأعمال الدرامية التركية التي تمثل مجتمعا بعينه لا علاقة له بالمجتمع المغربي.

كما أن هناك ارتباكا في الرؤية الإخراجية وكذا تقنيات التصوير، التي ما زالت للأسف تعتمد على الأسلوب الكلاسيكي.

كيف تفسرون إذن الإقبال الكبير على مشاهدة المسلسل بظل هذه الثغرات؟

ما رفع نسب المشاهدة والمتابعة ليس قوة المسلسل وتميزه بل ضعف باقي الأعمال، ليبقى هو العمل الوحيد مع مسلسل مول لمليح اللذان يتصدران الأعمال الدرامية الرمضانية لهذه السنة.

كما لا ننسى أن قوة التشخيص أيضا ساهمت في جعله الأكثر مشاهدة، ولولا المجهود الشخصي الكبير الذي قام به الممثلون لفشل فشلا كلياّ ومن أول حلقة، وحتى أكون منصفا فحلقاته الأولى كانت موفقة نوعا ما وأكثر تشويقا من باقي الحلقات، لنكتشف بعدها كل هذه الثغرات التي ذكرت.

زد على ذلك أن الجمهور فضولي بطبعه، وكل عمل فني كيفما كان تعرض لحملة انتقادات موجهة أو عفوية، أو أثير حوله جدل ما يصبح الإقبال عليه أكثر قوة وكثافة، ليس لأنه الأفضل -وقد يكون كذلك فعلا- بل قد يكون الأمر مجرد فضول لا غير.

بماذا تفسرون الجدل الذي أثير حول هذا العمل؟

هو جدل بيزنطي لن ينفعنا في شيء، خصوصا أننا أقمحنا الدين في مسائل فنية محضة، تلك المسائل التي يمكن أن نعالجها بالفن ولا شيء غير الفن. هذا إن كانت هناك هناّت وعيوب تستدعي المعالجة، وأنا هنا أتكلم بصفة عامة، وتنصيب البعض أنفسهم قضاة وبالتالي محاكمتهم للفن والفنانين محاكمة أخلاقية، أثر بطبيعة الحال على مُتعة التلقي وجعل الفن ككل متهما في أخلاقياته، وعوض أن نحاسب هذا العمل أو ذاك فنيا انخرطنا في جدل ونقاش فارغين.

“لمكتوب” ليس أول عمل يتطرق لحياة “الشيخة” ما الذي جر بنظركم الانتقادات عليه؟

طبعا ليس هو أول عمل اتخذ من تيمة الشيخة أو من عالم ”تشياخت” موضوعه، فقد سبقته أعمال أخرى كفيلم ”ولولة الروح” لعبد الإله الجوهري، وفيلم ”خربوشة” لحميد الزوغي، وفيلم ”جوق العميين” لمحمد مفتكر، وفيلم ”الصالحة” لكمال كمال، وأيضا الفيلم الوثائقي ”دموع الشيخات” لعلي الصافي، لكن رغم توسع كل هذه الأعمال في الإحاطة بعوالم الشيخات بتفاصيلها ومفرداتها، إلا أنها لم تثر الجدل كما فعل مسلسل لمكتوب، والسبب في هذا يرجع إلى أمرين.

أولا الأعمال السابقة كلها أعمال سينمائية ماعدا فيلم ”الصالحة” فهو شريط تلفزيوني و”دموع الشيخات” وهو شريط وثائقي، وكلها أعمال محكومة بحيز زمني محدد وتوقيت عرض معين، مما جعل المتابعة محدودة ومحصورة بين المهتمين، لكن مسلسل ”لمكتوب” يعرض عبر التلفزيون وفي وقت الذروة وطيلة أيام رمضان، الشيء الذي جعل الاهتمام به أكثر بكثير من باقي الأعمال التي ذكرت، كما أن دخول الدعاة والشيوخ على خط المواجهة جعل النقاش أكثر توسعا وانتشارا.

تعرضت الممثلة دنيا بوطازوت لتهديدات بسبب دورها، هل يؤدي الفنانون ضريبة الخلط بين الواقع والمتخيل الدرامي؟

صحيح، ما زلنا للأسف نعاني من هذا المشكل، مشكل الخلط بين شخصية متخيلة والممثل الذي يؤديها، فكثيرون يحاسبون الممثل بتصرفات الشخصية التي تقمّصها في عمل درامي أو سينمائي، فإن كانت الشخصية تؤدي دورا معينا يرفضه المجتمع، يسقطونه مباشرة على الممثل، فيصبح مكروها ومغضوبا عليه من قبل جمهوره، وهذا ما حصل من قبل لبعض الممثلات خصوصا، وما يحصل اليوم للفنانة دنيا بوطازوت، وهذا راجع بالأساس إلى غياب الوعي الفني لدى الجمهور، وعدم اهتمام مؤسساتنا التعليمية بالتربية السينمائية، وكذا ثقافة التلقي والمُشاهدة.

ما تعليقكم على تدخل الدعاة في المجال الفني؟

الفن لا يُحاسب إلا فنيا بعيدا عن الدين والأخلاق والسياسة، الصفة التي تميز الفن هي الحرية، الفن كائن لا يرضخ للعبودية ولا يحب القيود، كيفما كانت، فإن رسمت حوله خطوطا حمراء وكبلته بقيود السياسية والدين، لن يصبح فنا بل شيئا آخر سميه ما شئت إلا الفن، الفن طائر له جناحان وبهما يحلق كيفما أحب وأينما أحب، وإذا حاولت تقييده تمرّد وثار، وهذا ما حصل مع مسلسل “لمكتوب”، فانتقاد بعض الدعاة له ومحاولتهم محاسبته دينيا وأخلاقيا، جعل نسبة المتابعة ومشاهدة حلقاته تتضاعف بقوة، سواء عن اقتناع أو عن فضول، المهم أن الاهتمام به تقوى عكس ما كان يهدف إليه هؤلاء، هذا رغم ضعفه الفني.

هل تجدون أن الدراما المغربية تطورت أم ظلت حبيسة اقتباسات من أعمال أخرى؟

الأعمال الدرامية تطورت طبعا، لكن من حيث الكم، أما من ناحية الكيف فللأسف لا نلمس أي تطور مهم، بل أصبحنا نترحم على أعمال زمان.

من هي الشخصيات الأقوى والأضعف في مسلسل “لمكتوب”؟

لا أعرف ماذا تعنين بأقوى وأضعف الشخصيات في العمل، فشخصيات العمل نفسها لا يوجد فيها قوي أو ضعيف، فكل شخصية لها مكانتها وصفاتها حسب طبيعة القصة وسيرورة الأحداث، أما إذا كنتِ تعنين التشخيص، أي التقييم من ناحية الأداء، فطبعا هناك دنيا بوطازوت، وسلوى زرهان، وهند بنجبارة هذا الثلاثي أعطى للعمل دفعة قوية، وهو ما جعل الكثير من المشاهدين ينتبهون إليه وكأنهم يتابعون مبارة في التشخيص، كما لا ننسى أيضا أيوب كريطع فهو ممثل موهوب ووفق كثيرا في الدور الذي أسند إليه.

ما تقييمك للأعمال التلفزيونية الرمضانية بشكل عام؟

الأعمال الرمضانية لهذا الموسم لم تخرج من دائرة باقي الأعمال الرمضانية التي سبقتها، فلم نشاهد أي تطور ملموس لا فنيا ولا تقنيا، كما أنها تجتر نفس المواضيع ونفس القصص الاجتماعية، إلى درجة أن بعض الكتاب وبسبب الإفلاس الذي نعانيه في الكتابة اتجهوا الى الاقتباس -حتى لا أقول شيئا آخر- من أعمال أجنبية، فأصبحت أعمالنا أعمالا هجينة لا ترقى إلى مستوى تطلعات الجمهور المغربي، صحيح كما قلنا هناك ارتفاع في نسبة المشاهدات التي تخص بعض الأعمال، لكن ماذا عن نسبة الرضا؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح، ونشكّل منه أرضية للإنطلاق، هذا إن كانت لدينا فعلا الرغبة في تغيير مستوى هذا المجال وتطويره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.