الحمى القلاعية تهدد الاقتصاد الناميبي وتنذر بخسائر بمليارات الدولارات

تشهد ناميبيا حاليا تفشيا واسعا لمرض الحمى القلاعية، التي باتت تضع اقتصاد البلاد أمام اختبار صعب، في ظل تهديد عائدات الصادرات ونشاط الشركات العاملة في قطاعي الأبقار والأغنام وآلاف مناصب الشغل، وسط تباطؤ اقتصادي وقيود على الوصول إلى الأسواق الدولية.
وتقدر غرفة التجارة والصناعة الناميبية الخسائر المحتملة في إيرادات قطاع تربية الماشية بنحو 1.6 مليار دولار ناميبي خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى دجنبر 2026، في حال استمرار القيود الصحية.
ومن المتوقع أن تبلغ الخسائر 1.27 مليار دولار ناميبي في قطاع الأبقار، مقابل 195 مليون دولار ناميبي في قطاع الأغنام.
وحذر رئيس الغرفة، فيتومبوافي مونغوندا، من أنه “إذا استمر تعليق صادرات المنتجات الحيوانية لأكثر من ستة أشهر، فقد يفقد القطاع الزراعي ما بين 15 ألفا و20 ألف منصب شغل”.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الإنتاج الحيواني، إذ كان قطاع الفلاحة والغابات والصيد يشغل أكثر من 88 ألفا و200 شخص في عام 2023، أي ما يزيد قليلا على 16 في المائة من إجمالي فرص الشغل في البلاد، ويضمن نحو 34 في المائة من فرص الشغل في المناطق القروية، وفقا لوكالة الإحصاء الناميبية.
وفي عام 2024، حقق قطاع تربية الماشية، الذي يمثل نحو 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، عائدات تصدير تراوحت بين 210 و225 مليون دولار أمريكي، توجهت أساسا إلى الاتحاد الأوروبي والنرويج والصين وجنوب إفريقيا.
كما ساهمت سلسلة القيمة الكاملة للقطاع، التي تشمل المربين وشركات تصنيع اللحوم ومصنعي المنتجات الجلدية، بنحو 7.9 مليارات دولار ناميبي في الاقتصاد الوطني خلال عام 2025.
وتشير البيانات المتاحة أيضا إلى أن قيمة إنتاج السلع بلغت نحو 6 ملايين دولار ناميبي، بالرغم من أن هذا الرقم يستدعي الحذر بالنظر إلى الفارق بينه وبين المساهمة الإجمالية المعلنة للقطاع في الاقتصاد.
واتخذت الأزمة الحالية بعدا تجاريا عقب تأكيد بؤرة للمرض، في 23 شتنبر الماضي، داخل إحدى المزارع التابعة للدائرة البيطرية في كاراسبورغ، بمنطقة خاراس جنوب البلاد.
وعلقت المنظمة العالمية لصحة الحيوان، اعتبارا من 22 شتنبر، وضع ناميبيا كبلد خال من الحمى القلاعية.
وفي الخامس من أكتوبر الجاري، أعلن الاتحاد الأوروبي التعليق المؤقت لواردات اللحوم الطازجة للأبقار والأغنام والماعز، فضلا عن بعض منتجات اللحوم المصنعة، ومنها اللحم المجفف المعروف باسم “بيلتونغ” و”جيركي”، من المنطقة التي كانت مصنفة سابقا خالية من المرض.
ومع ذلك، يمكن قبول شحنات اللحوم الطازجة الحاصلة على شهادات صحية قبل 23 شتنبر لمدة 90 يوما اعتبارا من ذلك التاريخ، شريطة خضوعها للمراقبة عند الحدود الأوروبية.
وأكد الاتحاد الأوروبي أن هذه التدابير الوقائية لا تمس بالاستفادة التجارية التفضيلية التي تتمتع بها ناميبيا في السوق الأوروبية، بموجب اتفاق الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية (سادك).
وبالنسبة إلى الجمعية الاقتصادية الناميبية، يتمثل الخطر في استمرار اضطراب قنوات التسويق وحركة الماشية.
وأوضح المديرالعام للجمعية، كونز كاراماتا، أن “التعافي الذي كان متوقعا بات معرضا لمخاطر كبيرة تتمثل في تراجع النشاط، ولا سيما إذا استمرت القيود المفروضة على تسويق الماشية وتصديرها”.
وقبل تفشي المرض، كان بنك ناميبيا يتوقع نمو قطاع تربية الماشية بنسبة 2.2 في المائة خلال عام 2026، و4.6 في المائة في عام 2027. غير أن استعادة إمكانية النفاذ إلى الأسواق ذات القيمة المرتفعة قد تستغرق وقتا أطول من استعادة السيطرة الصحية على المرض.
وبعد تسجيل الحالات الأولى في الجنوب، تأكدت بؤرة ثانية في 7 أكتوبر الجاري بمنطقة زامبيزي شمال البلاد، وتحديدا في جزيرة كالالا، بعدما جاءت نتائج العينات الـ12 المأخوذة من حيوانات مشتبه في إصابتها إيجابية.
وعلى إثر ذلك، فرضت السلطات قيودا على تنقل الحيوانات مشقوقة الظلف، وأوقفت المزادات وتجمعات الماشية، كما علقت عمليات الذبح في المجازر المحلية والأسواق غير الرسمية.
وفي دائرة كاراسبورغ، أطلقت في 14 أكتوبر حملة تلقيح إلزامية تستمر ثلاثة أشهر، على أن تنفذ على مراحل متعددة.
وبحسب بيانات تم الإعلان عنها لاحقا، جرى تلقيح 43 ألفا و582 رأسا من الأبقار، منها 42 ألفا و286 في منطقة زامبيزي و1,296 في منطقة خاراس. كما خططت السلطات لتلقيح نحو 13 ألف رأس إضافي في المنطقة الأخيرة.
وتسعى ناميبيا إلى الحصول على اعتراف دولي بمنطقة الاحتواء بحلول نهاية عام 2026 أو مطلع عام 2027، رهنا بتوافر بيانات كافية تثبت السيطرة على المرض.
وقالت أنيا بوشوف، المسؤولة عن ضمان الجودة في المجلس الناميبي للثروة الحيوانية والمنتجات ذات الأصل الحيواني، “أمامنا عامان ، ابتداءا من إعلان المنظمة العالمية لصحة الحيوان هذه المنطقة والموافقة عليها، لتطهير المنطقة من المرض”.
غير أن استعادة الوضع الصحي الملائم لا تعني بالضرورة إعادة فتح جميع الأسواق. وفي هذا السياق، ذكر رئيس منظمة منتجي الماشية، جاكو فان ويك، بأن “ذلك يعني ببساطة أننا نستطيع تسويق منتجاتنا في السوق المحلية واستعادة تصنيفنا كمنطقة خالية من المرض، لكنه لا يعني أننا نستطيع التجارة مع جميع الأسواق”.
وتأتي هذه الأزمة الصحية في وقت تتراجع فيه آفاق الاقتصاد الكلي للبلاد.
ففي 22 أكتوبر الجاري، خفضت وزيرة المالية، إيريكا شافودا، توقعات النمو لعام 2026 إلى 2.3 في المائة، مقابل 3.1 في المائة سابقا، أساسا بسبب ضعف الطلب العالمي على الألماس، وتراجع أسعار المواد الأولية، وارتفاع تكاليف الوقود، والمخاطر المرتبطة بظاهرة “إل نينيو” والحمى القلاعية.
ويخصص مشروع الميزانية المعدل 179 مليون دولار ناميبي لمكافحة المرض، فيما تستخدم المساهمات في صندوق الدعم لتمويل المراقبة الصحية والمراقبة على الطرق والتلقيح وتدابير الأمن البيولوجي.
ودعت وزيرة الفلاحة والصيد والمياه والإصلاح العقاري، إينغي زامواني، الشركات والجمعيات المهنية والأفراد إلى المساهمة في الجهود الوطنية لمكافحة تفشي المرض.
وترى الجمعية الاقتصادية الناميبية أن الاستجابة للأزمة ينبغي أن تشمل أيضا تكثيف المفاوضات مع الشركاء التجاريين، وتقديم الدعم المالي لمربي الماشية والشركات، فضلا عن ضمان تواصل شفاف للحد من انتشار المرض واستعادة الثقة.
وبذلك، تكون ناميبيا في مواجهة تحد مزدوج يتمثل في احتواء الوباء والحفاظ على الأسواق الخارجية لقطاع حيوي للاقتصاد القروي، في وقت ينذر فيه كل شهر إضافي من القيود بتفاقم الخسائر وتهديد مصادر عيش آلاف الأسر على المدى الطويل.





