وهبي: محاربة الفساد خارج القانون قد تتحول بدورها إلى مصدر للفساد

أكد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، أن الحكومة ستقدم في المستقبل القريب ترسانة قانونية جديدة لمحاربة الفساد، مشددا على ضرورة احترام القانون وقرينة البراءة وضمان حقوق المواطنين خلال تفعيل الإجراءات الرامية إلى مكافحة الإثراء غير المشروع.
وقال وهبي، خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين اليوم الثلاثاء، إن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتم على حساب الضمانات القانونية وحقوق الأفراد، محذرا من توظيف هذا الملف في ممارسات “شعبوية”، تقوم على الزج بالمواطنين في السجن بدعوى مكافحة الفساد.
وفي سياق متصل، تطرق وهبي إلى إشكالية بطء البت في الملفات القضائية، مشيرا إلى أن المحاكم تتعامل سنويا مع نحو5 ملايين ملف، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بآجال البت ونجاعة المساطر، مبينا أن الملفات المهمة قد تتأثر بتراكم القضايا الأقل تعقيدا، ومعتبرا أن معالجة هذه الإشكالية لا ترتبط بعدد الملفات وحده، بل تتطلب أيضا مراجعة القوانين والمساطر المعمول بها.
وسجل وزير العدل أن بعض الإجراءات الرامية إلى تسريع معالجة الملفات أثارت اعتراضات مرتبطة بحقوق الدفاع، خاصة ومنح القضاة الوقت الكافي للاطلاع على الملفات وللمحامين لإعداد مرافعاتهم، مشددا على ضرورة التوفيق بين تسريع البت في القضايا وضمان حقوق المتقاضين، لأن تأخير العدالة يفقدها جزءا من معناها، كما أن التسرع في إصدار الأحكام قد يفضي إلى إشكالات قانونية.
ودعا إلى تعزيز الوسائل البديلة لحل المنازعات، من قبيل الوساطة والتحكيم، وترسيخ ثقافتها لدى المواطنين والمؤسسات، مقترحا اعتماد الوساطة قبل اللجوء إلى المحاكم التجارية، بما يتيح محاولة تسوية النزاعات وديا قبل الانتقال إلى المساطر القضائية.
كما أثار الوزير إشكالية طول أمد النزاعات التجارية وانعكاسها على قيمة المستحقات، موضحا أن صدور حكم بعد خمس سنوات من المطالبة بمبلغ مالي قد يجعل القيمة الفعلية للمبلغ المحكوم به مختلفة عن قيمته وقت نشوء النزاع، وهو ما يستدعي، بحسبه، إعادة النظر في القوانين والمساطر وتحديث وسائل التواصل والتبليغ القضائي.
وفي هذا الإطار، شدد وهبي على أهمية اعتماد التبليغ الإلكتروني، مقترحا إلزام الشركات بالتوفر على عناوين إلكترونية معتمدة لدى المحاكم لتيسير تبليغها بالإجراءات والقرارات القضائية، بغية التحقق من وصول الإشعارات وتعزيز فعالية المساطر، مبينا أن تحسين أداء المحاكم يقتضي، إلى جانب معالجة تراكم الملفات، تطوير الإطار القانوني وتحديث آليات التواصل والتبليغ.
وشدد وزير العدل على أن مكافحة الفساد يجب أن تتم وفق إطار قانوني واضح ومساطر مضبوطة، مشيرا إلى أن التصدي للإثراء غير المشروع لا يثير أي إشكال من حيث المبدأ، شريطة أن يتم في احترام تام للقانون وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، رفض وهبي المساس بقرينة البراءة أو مطالبة المواطنين بإثبات براءتهم لمجرد الاشتباه فيهم، معتبرا أن حماية المواطن من الظلم تظل من المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تؤطر عمل السلطات المكلفة بإنفاذ القانون.
وأضاف المسؤول الحكومي أن تجاوز الضوابط القانونية باسم محاربة الفساد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، محذرا من أن مكافحة الفساد خارج القانون يمكن أن تتحول بدورها إلى مصدر للفساد، ومؤكدا أن “الغاية لا تبرر التخلي عن الضمانات القانونية”.





