اقتصاد

حاملو الشهادات أمام تحدي الإدماج المهني.. هل تكفي الدبلومات لضمان فرصة عمل؟

حاملو الشهادات أمام تحدي الإدماج المهني.. هل تكفي الدبلومات لضمان فرصة عمل؟

بلغ معدل البطالة “بالمفهوم الضيق” في صفوف حاملي الشهادات العليا 16.7 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، فيما بلغ معدل الشغل مقابل دخل لدى الفئة نفسها 57.8 في المائة، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل بالمغرب.

وتعيد هذه المؤشرات إلى الواجهة تحديات إدماج خريجي الجامعات في الحياة المهنية، ومدى قدرة التكوين الأكاديمي على الاستجابة لمتطلبات سوق الشغل، في ظل استمرار الفجوة بين المؤهلات التي يكتسبها الطلبة خلال مسارهم الدراسي والمهارات التي تحتاج إليها المؤسسات والمقاولات.

ويرى المحلل الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لصحيفة “مدار21″، أن إشكالية التشغيل بالمغرب تتجاوز مسألة توفر فرص العمل، لتشمل طبيعة الوظائف المعروضة ومستويات الأجور وظروف العمل، فضلا عن التفاوت بين تكوين الشباب وحاجيات الاقتصاد، وهو ما يفسر، بحسبه، صعوبة إدماج بعض الخريجين مقابل استمرار الطلب على اليد العاملة في قطاعات أخرى.

وأوضح جدري أن أحد أبرز التحديات التي تواجه حاملي الشهادات العليا يتمثل في الفجوة بين التكوين النظري الذي يتلقونه داخل الجامعات والكفاءات التطبيقية التي يتطلبها سوق الشغل، مشيرا إلى أن الحصول على شهادة جامعية لا يضمن بالضرورة امتلاك الخبرات العملية التي تحتاج إليها المؤسسات والمقاولات، الأمر الذي يجعل الانتقال من الدراسة إلى الحياة المهنية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى عدد من الخريجين.

ولا تقتصر اختلالات سوق الشغل، وفق جدري، على صعوبات إدماج خريجي الجامعات، بل تشمل أيضا قطاعات تعرف طلبا على اليد العاملة، مقابل تراجع إقبال الشباب المغاربة على عدد من المهن المرتبطة بها.

وأوضح أن قطاعات الأشغال العمومية والبناء والمطاعم والمقاهي والسياحة والنقل والفنادق تعرف طلبا على اليد العاملة، إلا أن هذه المهن لم تعد تستقطب العدد الكافي من الشباب، في ظل مستويات الأجور الضعيفة، والتي لا تتجاوز الحد الأدنى للأجر أو تفوقه بقليل في غالب الأحيان.

واعتبر المتحدث أن ارتفاع تكاليف المعيشة يزيد من حدة هذه الإشكالية، إذ يجعل الأجور المعروضة في عدد من المهن غير كافية، من وجهة نظر الباحثين عن العمل، لتلبية متطلبات العيش الكريم، وأضاف أن الأمر لا يرتبط بالأجور وظروف العمل فقط، بل يمتد أيضا إلى الصورة الاجتماعية المرتبطة ببعض المهن الحرفية والتقنية.

وأشار جدري إلى تراجع إقبال الشباب على مهن مثل السباكة والنجارة والكهرباء وميكانيك السيارات والبناء، معتبرا أن هذه المهن تواجه عزوفا متزايدا في ظل تمثلات اجتماعية نمطية قد تؤثر في اختيارات الشباب وتفضيلاتهم المهنية.

وفي مقابل تراجع جاذبية بعض المهن التقليدية، أكد جدري بروز أنماط جديدة من العمل تستقطب فئات من الشباب، خصوصا عبر المنصات الرقمية والأنشطة المرتبطة بالتجارة الإلكترونية وخدمات النقل عبر التطبيقات.

ولفت إلى أن بعض الشباب يفضلون العمل في هذه المجالات بالنظر إلى ما يمكن أن توفره من مداخيل شهرية تتراوح، بحسب تقديره، بين 5000 و6000 درهم، مقارنة بالعمل في بعض الوحدات الصناعية، مثل شركات “الكابلاج” وصناعة الطائرات والنسيج والملابس والجلود.

ويرى المتحدث أن هذا التحول يعكس تغيرا في تفضيلات الشباب ونظرتهم إلى العمل، لكنه يطرح في المقابل أسئلة بشأن جاذبية الوظائف التقليدية ومدى قدرتها على المنافسة من حيث الأجور والاستقرار المهني وظروف العمل، كما يكشف عن تحديات تواجه بعض القطاعات الصناعية التي تحتاج إلى اليد العاملة، في وقت تتجه فيه فئات من الشباب نحو أنشطة أخرى تعتبرها أكثر ملاءمة لتطلعاتها الاقتصادية.

وشدد جدري على ضرورة اعتماد “مقاربة شمولية” لمعالجة اختلالات سوق الشغل، تقوم على حوار مجتمعي يتيح فهم التحولات التي يعرفها المجتمع وسوق العمل، إلى جانب إعداد آليات قادرة على خلق فرص شغل تستجيب لتطلعات الشباب وتحفظ كرامتهم وتضمن لهم الحد الأدنى من العيش الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News