تشريعيات 2026: وسؤال العزوف الإنتخابي

لم تكن انتخابات 2026 مجرد استحقاق لتجديد مجلس النواب، بل كانت أيضاً اختباراً جديداً لعلاقة المواطن المغربي بالانتخابات وبالمؤسسات السياسية. فقد بلغت نسبة المشاركة 38.02%، في تراجع واضح مقارنة بالاستحقاقات السابقة، وهو رقم يفرض قراءة تتجاوز مجرد تسجيل نسبة الامتناع عن التصويت.
ولا يمكن اختزال هذا العزوف في سبب واحد. فقد يرتبط بضعف الثقة في الأحزاب، أو محدودية الاقتناع بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس، أو بغياب عرض سياسي قادر على استقطاب فئات واسعة من الناخبين. كما أن تقييم المواطنين لأداء الولاية الحكومية السابقة يدخل، بشكل أو بآخر، في تشكيل هذه الصورة، خصوصاً في ملفات كانت في صلب الانتظارات الاجتماعية، مثل التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية.
وهنا تبرز مسألة أساسية: عندما تكون الانتظارات مرتفعة، ولا يشعر المواطن بأن السياسات العمومية ترجمتها بالقدر الكافي إلى نتائج ملموسة، فإن الفجوة بين الانتظارات والنتائج قد تتحول إلى عزوف عن المشاركة السياسية. وليس المقصود بذلك أن كل من امتنع عن التصويت كان يحتج على الحكومة السابقة، وإنما أن حصيلة المرحلة السابقة تشكل أحد العناصر التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تحليل سلوك الناخب.
ويزداد هذا المعطى أهمية في ظل استمرار صعوبات اجتماعية واقتصادية، خاصة بالنسبة إلى الشباب، حيث ظلت البطالة وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية من أبرز مصادر الانشغال. كما أن النقاش العمومي خلال الولاية السابقة لم يقتصر على الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية، بل عرف أيضاً بروز ملفات وقضايا أثارت أسئلة حول الشفافية وتضارب المصالح وعلاقة المسؤولية السياسية بالمصالح الاقتصادية. ومهما اختلفت المواقف من هذه الملفات، فإن حضورها في النقاش العام يمكن أن يؤثر في صورة المؤسسات وفي مستوى الثقة فيها.
ومن هنا تبرز دلالة أخرى في قراءة انتخابات 2026، تتعلق بجيل «زد». فهذا الجيل لم يكن بعيداً عن الشأن العام، بل عبّر خلال احتجاجاته عن مطالب مرتبطة أساساً بالصحة والتعليم والتشغيل والخدمات العمومية. أي أن الحديث عن شباب غير مهتم بالسياسة سيكون تبسيطاً لا يفسر الواقع.
لكن المفارقة أن هذا الحضور الاحتجاجي لم يتحول إلى مشاركة انتخابية واسعة بالقدر نفسه. فمع اقتراب انتخابات 2026، ظل الشباب من أقل الفئات حضوراً في الهيئة الانتخابية؛ إذ لم تتجاوز نسبة المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة 4% من مجموع المسجلين.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد: لماذا لم يصوت الشباب؟ السؤال هو: لماذا يستطيع جيل أن يحتج على أوضاع الصحة والتعليم والتشغيل، لكنه لا يجد بالقدر نفسه نفسه داخل العملية الانتخابية؟
قد تكشف هذه المفارقة عن فجوة بين الاهتمام بالشأن العام وبين الثقة في القنوات التقليدية للمشاركة السياسية. فالشباب الذين خرجوا للتعبير عن مطالبهم لم يكونوا خارج المجال السياسي، وإنما اختار جزء منهم التعبير عنه خارج الأطر الحزبية والمؤسساتية التقليدية.
ولذلك فإن انتخابات 2026 تضع الحكومة المقبلة والأحزاب أمام تحدٍ يتجاوز تدبير الولاية الجديدة: إعادة بناء الصلة بين المواطن والمؤسسة السياسية. وهذه المهمة لن تتحقق فقط بالدعوة إلى المشاركة في الانتخابات المقبلة، وإنما بإقناع المواطن، وخاصة الشباب، بأن المطالب التي يعبر عنها في الشارع والفضاء الرقمي يمكن أن تجد طريقها إلى المؤسسات وإلى السياسات العمومية. فإذا كان الشارع قد أصبح فضاءً للتعبير عن المطالب، وصندوق الاقتراع فضاءً لاختيار الممثلين، فإن الرهان الحقيقي للديمقراطية هو بناء الجسر بين الاثنين.
ومن هنا، ربما يكون السؤال الأهم الذي تركته انتخابات 2026 ليس فقط: كم شخصاً لم يصوت؟ وإنما: ما الذي جعل هذا العدد الكبير لا يرى في التصويت الوسيلة الأكثر جدوى للتعبير عن انتظاراته؟





