المغرب وفلسطين: علاقة أخوية راسخة ووفاء متجدد لقضية القدس

ليست العلاقة بين المغرب وفلسطين علاقة دبلوماسية عابرة، بل هي علاقة أخوية تشكلت عبر عقود من التاريخ، وتعززت بروابط إنسانية وثقافية وحضارية، وبموقف مغربي ثابت جعل فلسطين حاضرة في وجدان المغاربة، والقدس عنواناً دائماً للتضامن والدعم.
تبلورت ملامح هذا الموقف منذ عهد المغفور له الملك محمد الخامس، في مرحلة تزامنت مع تحرر المغرب وبناء دولته الحديثة. وقد وجد الشعب المغربي في نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال ما يلامس تجربته التاريخية، فأصبح التضامن مع فلسطين جزءاً أصيلاً من الوعي المغربي، لا يقتصر على المواقف الرسمية، بل يمتد إلى مختلف مكونات المجتمع.
وترجمت المملكة هذا التضامن في محطات تاريخية بارزة، من أهمها احتضان أول مؤتمر إسلامي في سبتمبر 1969، عقب إحراق المسجد الأقصى، بما أكد مركزية القدس ومسؤولية الدفاع عنها. ثم جاء مؤتمر الرباط عام 1974 ليعزز الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
وفي السياق ذاته، تأسست لجنة القدس برئاسة المغفور له الملك الحسن الثاني، لتواصل المملكة اضطلاعها بمسؤوليتها تجاه المدينة المقدسة، وهي المسؤولية التي حملها من بعده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس. وقد اكتسب هذا الدور بعداً خاصاً بحكم الروابط التاريخية التي تجمع المغاربة بالقدس، وتظل «حارة المغاربة» شاهداً بارزاً عليها، بما تمثله من حضور راسخ في ذاكرة المدينة وأهلها.
ولم يقتصر الدعم المغربي على المواقف السياسية، بل امتد إلى العمل المؤسساتي، وفي مقدمته دور وكالة بيت مال القدس الشريف، باعتبارها الذراع التنفيذية للجنة القدس. فقد نفذت الوكالة مشاريع وبرامج في مجالات السكن والتعليم والصحة والشباب والمرأة، إلى جانب الحفاظ على التراث الحضاري والثقافي والديني للمدينة، بما يعزز صمود المقدسيين ويحمي هويتهم وقدرتهم على البقاء فيها.
وقد لمسنا، نحن الفلسطينيين، أن اهتمام المغرب بالقدس لا يقتصر على الخطاب، بل يتجسد في مبادرات عملية وحضور ميداني متواصل. كما يمتد هذا الدعم إلى الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، من خلال المساعدات الإنسانية والطبية، ولا سيما في الظروف الصعبة التي يمر بها قطاع غزة. وهكذا يجمع الدور المغربي بين حماية هوية القدس وتعزيز صمود أهلها، ومساندة الشعب الفلسطيني في محنته الوطنية والإنسانية.
وتستند هذه الجهود إلى قناعة راسخة لدى المملكة، ملكاً وحكومة وشعباً، بعدالة القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وفق قرارات الشرعية الدولية. لذلك لا تكمن أهمية الموقف المغربي في إعلان الدعم فحسب، بل أيضاً في إبقاء القضية الفلسطينية والقدس حاضرتين في المحافل العربية والإسلامية والدولية، والتأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم يستند إلى القانون الدولي.
وخلال سنوات وجودنا في المغرب، كانت فلسطين حاضرة في الأوساط السياسية والحزبية والنقابية والثقافية والإعلامية والشعبية. ولم يكن هذا الحضور مجرد تعاطف عابر، بل تعبيراً عن ارتباط وجداني عميق بقضية يراها المغاربة قضية حرية وعدالة وكرامة إنسانية. وقد كان المغرب بالنسبة إلينا، خلال سنوات العمل الدبلوماسي، أكثر من محطة سياسية؛ كان فضاءً للعلاقات الإنسانية والتواصل مع المجتمع ومؤسساته ونخبه، ومكاناً لمسنا فيه احتراماً عميقاً لفلسطين وشعبها وقضيتها.
وتتميز العلاقات المغربية الفلسطينية بقدرتها على الجمع بين الموقف الرسمي والتضامن الشعبي، وبين العمل السياسي والإنساني، وبين الارتباط التاريخي بالقدس والحضور العملي فيها. وقد منحت هذه العناصر العلاقة عمقاً واستمرارية، وجعلت التضامن المغربي مع فلسطين جزءاً من الوعي العام، لا موقفاً مرتبطاً بظرف سياسي أو مناسبة محددة.
فالقدس، رغم مركزيتها، لا تنفصل عن القضية الفلسطينية في أبعادها الوطنية والسياسية والإنسانية. ومن ثم، فإن استمرار التضامن والعمل المشترك يقتضي تطوير التعاون بين الشعبين في المجالات الثقافية والتعليمية والإعلامية والشبابية والاقتصادية، بما يحول العلاقة التاريخية إلى شراكة متجددة ويفتح أمامها آفاقاً أوسع.
وفي هذا الإطار، تظل رئاسة جلالة الملك محمد السادس للجنة القدس عاملاً أساسياً في استمرار الحضور المغربي إلى جانب المدينة المقدسة وأهلها، كما تظل وكالة بيت مال القدس الشريف نموذجاً للعمل المؤسساتي الذي يترجم المواقف إلى برامج ومشاريع ملموسة. وبذلك تتكامل الذاكرة التاريخية مع المسؤولية السياسية، ويتحول الوفاء للقدس إلى عمل متواصل من أجل صمودها والحفاظ على هويتها.
لقد قلت إن الحضور المغربي في القدس سيبقى راسخاً في وجدان الفلسطينيين، كما أن حضور فلسطين في قلب المغاربة يزداد قوة ورسوخاً. وهذه العبارة تختصر طبيعة العلاقة بين الشعبين: علاقة صنعتها عقود من التاريخ، ورسختها القدس، وحماها الموقف السياسي، وجددها التضامن الشعبي، وترجمها العمل المؤسساتي.
وستبقى فلسطين حاضرة في وجدان المغرب، كما سيبقى المغرب حاضراً في وجدان الفلسطينيين، في إطار أخوة متجذرة ووفاء متبادل وأمل مشترك في الحرية والعدالة والسلام، وفي أن تبقى القدس حرة، مدينة للكرامة الإنسانية، وعنواناً للحق والعدالة.
كل الشكر والتقدير للمملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، وللحكومة والشعب المغربي، على مواقفهم الثابتة ودعمهم المتواصل للقضية الفلسطينية ولأهل القدس.
جمال عبد اللطيف الشوبكي.. سفير فلسطين لدى المملكة المغربية سابقاً





