الوعود الحزبية.. طموحات البرامج تواجه واقع الاقتصاد والأزمات الدولي

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تتوالى برامج الأحزاب السياسية ووعودها الرامية إلى استقطاب الناخبين وحصد أكبر عدد من المقاعد. غير أن هذه الوعود، مهما بدت طموحة، تصطدم غالبا بواقع اقتصادي معقد ومتشابك مع معطيات دولية لا تخضع لإرادة أي حزب بمفرده، وهو ما يجعل نسبة كبيرة من المواطنين تتعامل معها بحذر وريبة، خصوصا في ظل إخفاق حكومات سابقة في الوفاء بتعهداتها.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب والصحفي والمحلل الاقتصادي، محمد الشرقي أن أي وعد انتخابي، سواء تعلق بالنمو الاقتصادي أو التشغيل أو الضرائب، لا يمكن فصله عن المعطيات الاقتصادية الوطنية والدولية المتشابكة، ولا عن غياب آليات محاسبة حقيقية تلزم الأحزاب بالوفاء بما وعدت به، وما لم تبن الوعود على دراسات استشرافية جادة، ويواكبها نظام رقابة شعبية دائم ومتجدد، فإنها في التالي ستبقى أقرب إلى التطلعات العاطفية منها إلى الالتزامات القابلة للتحقيق.
“الوعود السياسية كاذبة”
يقول محمد الشرقي، ، في اتصال مع جريدة “مدار21″، أن “أغلب الوعود الانتخابية لا تقوم على مرجعية دراسات أو معايير علمية وواقعية بقدر ماهي وعود كاذبة، فالوعود السياسية قد تحدث صدى لدى الناخبين، لكنها في الواقع، خصوصا في الجانب الاقتصادي، محكوم بمسائل علمية وإحصائية وأرقام مضبوطة، وعلاقات دولية لا يمكن القفز عليها، وهذا ما نشهده في كل دول العالم تقريبا، حيث تسعى الأحزاب السياسية لاستمالة الناخبين عبر وعود لا تقوم في أغلبها على أرضية صلبة، فتصطدم بالواقع فور دخول الحكومة”.
ويؤكد “أي حزب يمكن أن يعد برفع النمو إلى 7 في المئة، لكن كيف سيتحقق هذا رقميا؟ اليابان ورغم كونها قوة اقتصادية كبرى، لا يتجاوز نموها 1 في المئة، وأوروبا ككل أقل من ذلك، والولايات المتحدة بكل قوتها يدور نموها حول 2 في المئة، وحتى دول الخليج الغنية قريبة من 7 في المئة فقط في أفضل الحالات، الهند التي كانت تحقق أكثر من 8 في المئة أصبحت اليوم عند 6 في المئة، والصين لا تتجاوز 4.5 في المئة”.
ويضيف الشرقي “المغرب اليوم عجز ميزانيته وصل حوالي 3.5 في المئة، والحديث عن نمو 5 في المئة هذه السنة أمر جيد لكنه مرتبط بعوامل ظرفية، مثل أمطار جيدة رفعت من الإنتاج الزراعي بعشرة ملايين قنطار إضافية، وملايين السياح جلبوا معهم عملة صعبة، إضافة إلى الطلب العالمي المتزايد على قطاع السيارات وصناعة الطائرات وسلاسل الإنتاج والإمداد العالمية”.
ويوضح بأن “هذا النمو العائد لعوامل محلية ودولية هو ما يحسن المالية العمومية ويمنح الحكومة هامشا لتنفيذ وعودها، لكن أي حكومة لم تحقق فائضا حقيقيًا يبقى هامش مناورتها ضيقا جدا، لأن هناك المديونية الواجب سدادها، وأجور الموظفين وقطاعات تحتاج دعما مستمرا، لذلك فإن تحقيق الوعود يتطلب من الحكومة الاجتهاد لرفع النمو واتخاذ إجراءات وسياسات تواكب المناخ الاقتصادي العالمي، وإلا فإن الوعد يبقى مجرد حسن نية أو تطلعات عاطفية بلا قاعدة”.
كما شدد المحلل الاقتصادي على أن اليوم، وصلت مديونية الدول الكبرى مستويات قياسية، مما يرفع كلفة اقتراضها من السوق المالي الدولي، وهو أيضا ما ينعكس على الدول المتوسطة والفقيرة، وأكد أن “النمو العالمي متراجع، فقد كان متوقعا عند 3.3 في المئة قبل الحرب في المنطقة، والآن أقرب إلى 2.5 في المئة، وفي هذا السياق، يبقى أي وعد بزيادة الأجور أو التشغيل جيد من حيث المبدأ، لكن تمويله يتطلب غالبا رفع الضرائب على القطاعات ذات الأرباح الكبيرة، وهذا بدوره يصطدم بالتزامات المغرب الدولية تجاه الشركات الأجنبية، ما يجعل رفع الضرائب مسألة حساسة قد تنفر المستثمرين، فيما الطبقة المتوسطة وهي الأكثر تضررا أصلا، لا تحتمل مزيدا من الأعباء الضريبية”.
ويرى الشرقي أن المغرب “يمر بمرحلة بناء بنية تحتية ضخمة، طرق ومستشفيات ومدارس وماء وكهرباء، ما يستوجب استثمارات عمومية كبيرة لا يمكن التفريط فيها، إضافة إلى عامل التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما يقلص القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا مع تراجع دور صندوق المقاصة في دعمها”.
وفي نفس السياق يوضح بأن هذا الهامش الضيق لا ينفتح إلا من خلال الاجتهاد والابتكار، ما يتطلب من الأحزاب امتلاك مراكز دراسات استراتيجية واستشرافية، وهو أمر “شبه غائب في المغرب”، كما أننا في المغرب بحسبه لا نسمع عن أحزاب سياسية تجتمع دوريا لمراجعة توقعاتها وتعديلها سنويا، رغم أن الجانب الاقتصادي متغير ولا يمكن التحكم فيه بشكل كامل، فحتى عوامل المناخ والطقس تؤثر على تحقيق وعد مثل النمو الفلاحي في حال غياب المياه.
ويقدم المحلل الاقتصادي مثال بريطانيا كنموذج على معاقبة الدولة لمخالفي وعودهم الحزبية، ويؤكد أن “هناك قوانين تعتبر أن الوعد الانتخابي الكاذب الهادف فقط لاستمالة الناخبين قد يعد مخالفة يعاقب عليها”. بينما في المغرب “لم نصل بعد إلى هذا المستوى، فالوعود الانتخابية غالبا ما تنسى بعد المرحلة الأولى، دون أي متابعة أو إحصائيات رسمية”.
وفي نفس الاتجاه يقترح محمد الشرقي إحداث هيئة محايدة تتولى تتبع مشاريع وبرامج الأحزاب الحكومية، وتطلع المواطن بشكل دائم ومستمر، عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، على ما أنجزه كل حزب في مجاله، بدل الاكتفاء بمحاسبة كل خمس سنوات فقط عند الانتخابات.
ويردف الشرقي “النموذج الديمقراطي الذي نعتمده اليوم هو نموذج القرن العشرين المتجاوز في عصر الذكاء الاصطناعي والرقمنة، وأقترح أن يكون لكل حزب موقع إلكتروني دائم يعرض وعوده وبرامجه، ويحدثه بانتظام، ويستجيب فيه للمواطنين نقطة بنقطة، سواء كان في الحكومة أو المعارضة، بما يتيح رقابة شعبية يومية بدل انتظار خمس سنوات”.
ويختتم “الفئة العمرية للناخبين تتغير باستمرار، فالشاب الذي كان عمره خمسة عشر سنة وقت وعد انتخابي سابق يصبح بعد خمس سنوات في الجامعة يبحث عن الشغل، فتتغير أولوياته ومطالبه، لذلك لا يمكن أن تبقى الوعود جامدة لعقد كامل دون تحيين”.




