حوارات | سياسة

الساخي: تلقي دعم من حكومة شيوعية لم يكن أمرا مروعا

قدم الباحث بسلك ما بعد الدكتوراه بجامعة لوفان الكاثوليكية، منتصر الساخي، في حوار مع مدار21، قراءة نقدية لخلاصات المؤرخ التشيكي جان كورا حول “تعاون”المناضل المغربي المهدي بن بركة مع المخابرات التشيكوسلوفاكية، منبها إلى أن البحث في الحياة السياسية والشخصية لرجل سياسي لا يمكن أن يخضع لسلطة الأرشيف والتاريخ فقط.

الساخي الذي يشتغل حاليا على مقالة علمية رفقة زميل بجامعة لوفان حول منطلقات الأبحاث الغربية في تاريخ بن بركة، قال “شخصيا كباحث لا تفاجئني مسألة تلقي المهدي بنبركة لنقود من جهة معينة، خاصة في ظرفية 1961 ـ 1963 حيث اشتداد الحرب الباردة وحيث أن من كان منخرطا في حركات التحرر كان حتما قريبا من روسيا أو الصين وحلفائها”.

وزاد، في حديثه لمدار21 ، “فتلقي دعم من حكومة دولة تدعي الشيوعية يعني قبل كل شيء أنك شيوعي أو اشتراكي، وفي تلك اللحظة لم يكن ذلك أمرا مروعا”.

وتابع الخبير في الأنثروبولوجيا والقضايا الكولونيالية “كباحث كذلك، لا يفاجئني أن يلعب المهدي بنبركة رحمه الله لعبا ثنائيا بين الصين وروسيا أو بين فرنسا وروسيا أو حتى بين المغرب الذي ينتمي له والجزائر التي درس بها آنذاك”.

“ففي تلك الفترة”، يقول الساخي، “المفكر الملتزم كان يعي أن أمريكا تدعم الاستبداد في عدة دول وترتب انقلابات عسكرية كما أن الاتحاد السوفياتي يطبق فاشية داخلية ويخوض حملات استعمارية”.

“ولعل القراءة التي لم يخلص لها المؤرخ (التشيكي) في قراءته لأرشيف مسجل لدى مخابرات دولة استبدادية داخليا كتشيكوسلوفاكيا حينها هو كون عدد من سياسيي ما يسميه “العالم الثالث” كانوا يصارعون الثنائية من داخل هذه الثنائية نفسها، وأعينهم على ما كانوا يحلمون به من عالم جديد.”

“فالباحث يتلقى بنفسه راتب اليوم من جهة حكومية لها حتما عداء مع جهات حكومية أخرى (فقضية الشرق والغرب، وثنائية روسيا والغرب لم تضمحل اليوم، خاصة في دولة مثل التشيك)”، يقول منتصر، مضيفا “وهنا يمكن أن نلاحظ كيف وظف الإعلام في فرنسا أو بريطانيا مثلا مقالة هذا الباحث لنفهم أن القطبية والعداء لحركات مناهضة القطبية لا زال سردية طاغية على المشهد الفكري”.

وتساءل الباحث “كيف يمكن الاستناد على أرشيف إدارة مخابراتية وسط حكومة سلطوية دون أن تعطى أية قيمة لما قاله أو فكره أو كتبه الفاعل السياسي موضوع البحث؟ الباحث جان كورا لا يعير أي اهتمام لفكر المهدي بنبركة ولا لمعاناة عائلته عقب الموت المفجع ـ وهو ليس أمرا هينا بالنسبة لأي باحث مؤمن بأخلاقيات العمل العلمي”.

وأوضخ أن هذه “الآلية” في الكتابة العلمية “ليست جديدة، فطالما علّمنا الاستشراق أن الباحث الغربي الذي يفتقد للأخلاق ولقراءة الموضوع في سياقه الداخلي (absence d’intériorité politique)  يعير اهتماما للوثائق الإدارية التي تنتج في الغرب ولخطابات الغرب بدل الإنصات لما هو واضح مكتوب من خطاب موضوع البحث”.

هذه الطريقة في تناول موضوعات وشخصيات الجنوب “تفقد الفاعل السياسي ماهيته السياسية وذاتيته ويتم معالجته ك”شيء” محكوم بخطابات لها أهداف ولها مؤسسات بحثية تسكن جامعات ومشاريع خاضعة لحكومات الشمال”.

وعلى صعيد آخر، اعتبر الباحث في الأنثروبولوجيا أن “التشبث بأن الأرشيف والتاريخ كما يقرؤه المؤرخ هو مصدر الفهم والتأويل لا يسقطنا إلا في دكتاتورية علمية تلغي هنا علوم أخرى مثل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وتلغي بالأساس كل التراكم الحاصل على مستوى النقد لما بعد الاستعمار وللسيطرة الثقافية العنصرية الأوربية”.

وبالنسبة لمنتصر  فكان “الأجدر بالمؤرخ التشيكي أن يخضع بحثه لما يسميه (المفكر) ميشيل فوكو ـ وهو مفكر مناهض للسلطوية الاستعمارية التي تغذي العلوم الإنسانية الحديثة ـ الجينيالوجيات. أي العمل على أرشيفات غير أرشيف دولته المتجددة، بل البحث في خطابات الأحزاب الشيوعية بالجنوب مثلا، وفي كتابات المهدي بنبركة وأصدقائه مثلا”.

وفي حوار خاص لمدار21، تشبث المؤرخ التشيكي، جان كورا بالمعطيات التي قدمها للغارديان حول المعارض المغربي البارز المهدي بن بركة، ذاهبا أبعد من ذلك إلى أن “علاقته بالمخابرات التشيكوسلوفاكية وطلبه المتكرر لدعمها من أجل إسقاط الملك الحسن الثاني قد تكون قطعة في فسيفاء أكبر تفسر اختفاءه”.

ورفض كورا في حواره “بشكل بات (الاتهامات) بوجود دوافع سياسية وراء مقالته البحثية حول بن بركة أو حواره مع الغارديان”، قائلا “أنا مؤرخ مهني مهتم بتشيكوسلوفاكيا زمن الحرب الباردة وانخراطها في النزاعات التي تلت الحربين العالميتين. وقد أوّلت قصة بن بركة بالطريقة التي أراها (دقيقة)”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *