بين رغبة الرباط وضمانات مدريد.. لماذا تتعقد إعادة القاصرين المغاربة من سبتة المحتلة؟

عاد ملف القاصرين المغاربة غير المصحوبين إلى واجهة تداعيات العبور الجماعي إلى سبتة المحتلة، بعدما أصبحت إعادة هؤلاء إلى المغرب واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا أمام السلطات الإسبانية، في ظل ضغط كبير تواجهه مراكز الإيواء، مقابل تمسك الرباط باستعادة قاصريها الموجودين في إسبانيا.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى حجم الأعداد المسجلة في أعقاب العبور الجماعي، إذ أفادت وكالة رويترز، في 7 غشت الجاري، بأن 1,342 قاصرا غير مصحوب كانوا قد سجلوا في سبتة المحتلة، في وقت كانت مراكز الاستقبال المصممة لنحو 90 قاصرا تستضيف حوالي 1,100، وهو ما دفع الحكومة الإسبانية إلى بحث نقل جزء من هؤلاء القاصرين إلى إسبانيا القارية.
وأكدت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية أن وضع القاصرين سيخضع لتقييم فردي، بما في ذلك بحث إمكانية لم شملهم مع أسرهم، في وقت تدرس فيه مدريد أيضا العرض المغربي المتعلق بالمساعدة في إعادتهم.
وبحسب معطيات أحدث أوردتها وسائل إعلام إسبانية في 13 غشت، ارتفع عدد القاصرين الموضوعين تحت الحماية في سبتة المحتلة إلى 1,898 قاصرا، بينما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية إرسال تعزيزات من الشرطة المكلفة بشؤون الأجانب إلى المدينة، في سياق التعامل مع تداعيات العبور الجماعي.
وأفادت صحيفة “إلباييس” بأن نحو 5,000 مهاجر ما زالوا في المدينة، إلى جانب 1,898 قاصرا تحت الحماية، في وقت تواصل فيه السلطات معالجة ملفات الأشخاص الموجودين في سبتة المحتلة بحسب أوضاعهم القانونية المختلفة.
غير أن وجود عرض مغربي لاستعادة القاصرين، أو رغبة إسبانية في تخفيف الضغط عن مراكز الاستقبال، لا يعني أن عملية الإعادة يمكن أن تتم بقرار إداري جماعي، فالسبب الرئيسي يكمن في أن القاصر غير المصحوب يتمتع في القانون الإسباني بنظام حماية خاص، وأن عودته إلى بلده الأصلي مرتبطة بتقييم فردي لوضعه وبضمانات إجرائية محددة، وهو ما يجعل الملف الحالي أكثر تعقيدا، خصوصا في ظل سابقة قضائية مباشرة تعود إلى أزمة سبتة المحتلة سنة 2021.
اتفاق مغربي إسباني قائم.. لكنه لا يعني الإعادة التلقائية
تعود العلاقات القانونية بين المغرب وإسبانيا في ملف القاصرين غير المصحوبين إلى اتفاق أبرم في الرباط بتاريخ 6 مارس 2007، ونشر في الجريدة الرسمية الإسبانية سنة 2013، ويتعلق بالتعاون في مجال الوقاية من هجرة القاصرين غير المصحوبين وحمايتهم وعودتهم المتفق عليها.
ويحدد الاتفاق إطارا للتعاون بين البلدين في مجال تحديد هوية القاصرين، والبحث عن أسرهم، وحمايتهم، وتنظيم عودتهم، مع إعطاء الأولوية لإعادة القاصر إلى أسرته أو تسليمه إلى مؤسسة مختصة بحمايته في بلد الأصل.
لكن أهمية الاتفاق تكمن أيضا في أنه لا يمنح السلطات الإسبانية صلاحية تجاوز قوانينها الداخلية. فالمادة الخامسة منه تنص على أن قرار إعادة القاصر تتخذه السلطات الإسبانية المختصة، مع احترام التشريع الإسباني والقواعد والمبادئ الدولية واتفاقية حقوق الطفل، كما تشترط أن تتم العودة بما يضمن المصلحة الفضلى للقاصر، سواء من خلال لم شمله فعليا بأسرته أو وضعه تحت مسؤولية مؤسسة مختصة بحمايته في بلد الأصل.
وبالتالي، فإن وجود اتفاق بين الرباط ومدريد لا يحول دون خضوع كل عملية إعادة للقواعد التي تفرضها إسبانيا والقانون الأوروبي والالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الطفل. وهذه النقطة بالذات أصبحت أكثر وضوحا بعد حكم المحكمة العليا الإسبانية الصادر في 22 يناير 2024، عندما أكدت المحكمة أن إعادة قاصرين من سبتة المحتلة إلى المغرب في غشت 2021 كانت غير قانونية بسبب عدم احترام الإجراءات المنصوص عليها في قانون الأجانب، وشددت على أن الاتفاق المغربي الإسباني لا يمكن أن يحل محل الضمانات التي يفرضها القانون الإسباني.
القاصر في القانون الإسباني ليس مجرد مهاجر
تبدأ صعوبة الإعادة من الوضع القانوني الخاص الذي يمنحه التشريع الإسباني للقاصر غير المصحوب. فالمادة 35 من القانون الأساسي رقم 4/2000 المتعلق بحقوق وحريات الأجانب في إسبانيا تنظم وضع القاصرين الأجانب غير المصحوبين، وتربط أي بحث في إمكانية إعادتهم إلى بلد الأصل بضرورة مراعاة مصلحتهم الفضلى، وبإمكانية لم شملهم مع أسرهم أو وضعهم تحت حماية الجهات المختصة في بلدهم.
كما تنص المادة نفسها على تدخل النيابة العامة في الحالات التي يكون فيها سن الشخص غير مؤكدا، وعلى وضع القاصر الذي تثبت طفولته تحت حماية الخدمات المختصة.
ويأتي المرسوم الملكي 1155/2024، الصادر في 19 نونبر 2024، ليضع التنظيم الحالي لهذه المسطرة، بعدما دخل حيز التنفيذ في 20 ماي 2025. ويخصص المرسوم فصلا كاملا للقاصرين الأجانب غير المصحوبين، بدءا من تحديد وضعهم القانوني، مرورا بتحديد السن وجمع المعلومات عن أسرهم، وصولا إلى إجراءات إعادتهم أو استمرار حمايتهم في إسبانيا.
وبموجب المادة 166 من المرسوم نفسه، إذا عثرت السلطات على أجنبي غير مصحوب وكان قاصرا بشكل مؤكد استنادا إلى وثائقه أو معطيات واضحة، فإنه يوضع تحت تصرف خدمات حماية القاصرين، مع إبلاغ النيابة العامة وتسجيل بياناته في سجل القاصرين الأجانب غير المصحوبين، أما إذا لم يكن سنه مؤكدا فتدخل السلطات في مسطرة خاصة لتحديده، وهو ما يجعل التأكد من السن والهوية مرحلة أساسية قبل الانتقال إلى أي بحث في إمكانية إعادته إلى المغرب.
البحث عن الأسرة يسبق قرار العودة
بعد تثبيت وضع القاصر، لا تنتقل السلطات الإسبانية مباشرة إلى قرار الإعادة، وإنما تبدأ مرحلة البحث عن الأسرة والظروف التي يمكن أن يستقبل فيها القاصر عند عودته. ويشترط المرسوم الملكي 1155/2024 أن تجمع الإدارة معلومات عن نسب القاصر ووضعه الاجتماعي والأسري في بلد الأصل، وأن تتواصل مع التمثيلية الدبلوماسية للبلد المعني من أجل الحصول على هذه المعطيات.
كما ينص على أنه إذا استبدلت المعلومات المتعلقة بالأسرة بمعلومات حول خدمات حماية القاصرين في بلد الأصل، فيجب أن تتضمن إجابة سلطات ذلك البلد التزاما مكتوبا من الجهة المختصة بتحمل مسؤولية القاصر.
وهذه الجزئية تفسر جانبا أساسيا من صعوبة الملف، لأن السؤال القانوني بالنسبة للسلطات الإسبانية ليس فقط ما إذا كان القاصر مغربيا، وإنما ما إذا كان بالإمكان ضمان استقباله في المغرب بصورة آمنة ومناسبة، ومن هي الجهة التي ستتولى رعايته بعد عبوره الحدود.
فالعودة إلى المغرب، وفق الاتفاق الثنائي والقواعد الإسبانية، ترتبط إما بإعادة القاصر إلى أسرته بعد التحقق من إمكانية ذلك، أو بتسليمه إلى جهة مختصة بحمايته في المغرب.
ولهذا السبب، فإن مجرد إعلان المغرب استعداده لاستعادة القاصرين لا يحسم المسطرة الإسبانية، لأن السلطات الإسبانية تحتاج إلى استكمال مجموعة من المعطيات التي تسمح لها باتخاذ قرار فردي بشأن كل حالة، كما تحتاج إلى ضمان أن الجهة التي سيتسلم إليها القاصر معروفة وقادرة على تحمل المسؤولية عنه.
المسطرة فردية.. وهذه هي العقدة الأساسية
تظهر العقدة الأكبر عندما يتعلق الأمر بإعادة أعداد كبيرة من القاصرين دفعة واحدة، لأن النظام القانوني الإسباني صمم مسطرة فردية لإعادة القاصر غير المصحوب. فالمادة 168 من المرسوم الملكي 1155/2024 تنص على أن مندوب الحكومة أو نائبه المختص يبدأ مسطرة إعادة القاصر عندما تشير المعلومات المتوفرة إلى أن مصلحته الفضلى تتحقق من خلال لم شمله بأسرته أو وضعه تحت خدمات حماية القاصرين في بلد الأصل.
ويجب أن يتضمن قرار بدء المسطرة هوية القاصر ووجود تقرير صادر عن السلطات المختصة في بلد الأصل، كما يتعين تبليغ القرار فورا إلى القاصر والنيابة العامة والجهة التي تتولى وصايته أو حمايته.
ولا تقتصر المسطرة على إبلاغ القاصر بقرار فتح ملفه، إذ تمنحه المادة 169 من المرسوم ذاته حق تقديم ملاحظاته ودفوعه والأدلة التي يرى أنها ضرورية، كما تنظم مشاركة القاصر في المسطرة بحسب سنه ودرجة نضجه، وتتيح، في الحالات التي تكون فيها الوقائع التي يثيرها ذات أهمية حاسمة، فتح فترة لإجراء الأدلة قبل اتخاذ القرار النهائي. وبهذا يصبح كل ملف مرتبطا بالظروف الشخصية للقاصر، وليس بمجرد كونه مغربيا أو دخوله سبتة المحتلة بطريقة غير نظامية.
ويتـعزز هذا الطابع الفردي خلال مرحلة الاستماع، إذ يفرض المرسوم على السلطات الاستماع إلى القاصر الذي تتوافر لديه القدرة الكافية على التعبير عن رأيه، بحضور الأطراف التي يحددها القانون، ومن بينها النيابة العامة والجهة التي تتولى حمايته، مع توثيق هذه المرحلة في محضر. وبعد استكمال المسطرة، يتعين اتخاذ القرار على أساس المصلحة الفضلى للقاصر، سواء تعلق الأمر بإعادته إلى أسرته أو تسليمه إلى جهة حماية في المغرب أو إبقائه تحت الحماية في إسبانيا.
المصلحة الفضلى للقاصر ليست تفصيلا إجرائيا
ولا تتوقف الحماية عند حدود القانون الإسباني، لأن إسبانيا ملزمة أيضا بالقانون الأوروبي في هذا المجال، اذ أكدت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، في حكمها الصادر في قضية “TQ” سنة 2021، أن الدولة العضو، قبل إصدار قرار إعادة يتعلق بقاصر غير مصحوب، ملزمة بإجراء تقييم عام ودقيق لوضعه، مع إيلاء المصلحة الفضلى للطفل الاعتبار الواجب، كما يجب عليها التأكد من وجود استقبال مناسب له في دولة العودة.
ويعني ذلك أن تحديد المغرب باعتباره بلد القاصر الأصلي لا يكفي وحده، إذ يتعين أن تتأكد السلطات الإسبانية من وجود ظروف استقبال مناسبة، ومن أن القاصر لن يجد نفسه بعد إعادته في وضع يتعارض مع الحماية التي يفرضها القانون الأوروبي. وقد أكدت محكمة العدل الأوروبية في القضية نفسها أن تقييم المصلحة الفضلى يجب أن يتم قبل تنفيذ العودة، وليس بعد نقل القاصر إلى بلد الأصل.
وهذا المبدأ ينسجم أيضا مع الاتفاق المغربي الإسباني نفسه، الذي يجعل حماية القاصر والمصلحة الفضلى له جزءا من الإطار الذي يحكم التعاون بين البلدين، ويشترط أن تتم العودة إما عبر لم شمل فعلي بالأسرة أو من خلال تسليمه إلى مؤسسة حماية في بلد الأصل.
سابقة 2021 تلاحق أي محاولة لإعادة جماعية
وتصبح كل هذه الضمانات أكثر أهمية بسبب ما وقع في سبتة المحتلة سنة 2021، عندما أعادت السلطات الإسبانية عددا من القاصرين المغاربة إلى المغرب في سياق الأزمة التي شهدتها المدينة في ماي من تلك السنة. وبعد مسار قضائي طويل، أكدت المحكمة العليا الإسبانية في 22 يناير 2024 أن عملية إعادة القاصرين كانت غير قانونية، لأن الإدارة لم تحترم المسطرة التي يفرضها قانون الأجانب، وشددت المحكمة على ضرورة احترام الضمانات القانونية المقررة للقاصرين.
وأكدت المحكمة، في جوهر حكمها، أن الاتفاق المغربي الإسباني لا يمكن أن يكون بديلا عن المسطرة التي يفرضها القانون الإسباني، وأن إعادة القاصرين لا يمكن أن تقوم على الاتفاق الثنائي وحده، وإنما يجب أن تتم وفقا للتشريع الإسباني والقواعد الأوروبية والضمانات المرتبطة بحماية الطفل. وقد استند النزاع القضائي نفسه إلى المادة الخامسة من الاتفاق المغربي الإسباني، وإلى المادة 35 من القانون الأساسي الإسباني 4/2000، وإلى المقتضيات التي كانت تنظم آنذاك إجراءات إعادة القاصرين.
وهذه السابقة تجعل أي محاولة لإعادة القاصرين الذين دخلوا سبتة المحتلة خلال العبور الجماعي الأخير محكومة بسؤال قانوني واضح: هل جرى تقييم وضع كل قاصر على حدة، وهل تم احترام حقه في الاستماع والدفاع، وهل تم التحقق من إمكانية لم شمله بأسرته أو تسليمه إلى جهة حماية مناسبة في المغرب؟
القرار بالإعادة لا يعني نهاية المسار
حتى بعد استكمال مراحل دراسة ملف القاصر واتخاذ قرار بشأن إعادته، لا تنتهي المسطرة بالضرورة، إذ تنظم المواد 168 إلى 171 من المرسوم الملكي 1155/2024 مراحل اتخاذ القرار وتنفيذه، وتفرض تبليغ القرار إلى القاصر أو ممثله وتمكينه من الضمانات القانونية المقررة له، كما تتيح له إمكانية الطعن في القرار أمام
القضاء الإداري وفقا للقواعد المنطبقة على هذا النوع من القرارات.
ويؤكد المرسوم أيضا أن تنفيذ الإعادة لا يتم بمعزل عن منظومة حماية القاصر، بل يظل مرتبطا بترتيبات تسليمه إلى الجهة المختصة في بلد الأصل، وهو ما يضيف مرحلة أخرى إلى مسار قد يكون معقدا أصلا عندما يتعلق الأمر بأعداد كبيرة من القاصرين.
وعند تنفيذ القرار، تظل حماية القاصر حاضرة في العملية، إذ تنظم المادة 171 من المرسوم ترتيبات تنفيذ الإعادة، بما في ذلك مرافقة القاصر إلى حين وضعه تحت مسؤولية السلطات المختصة في بلد الأصل، كما تربط تنفيذ الإعادة في بعض الحالات بوجود مسار قضائي وبالضمانات التي تترتب عنه.
ولهذا لا يمكن النظر إلى عملية الإعادة باعتبارها مجرد انتقال جغرافي من سبتة المحتلة إلى المغرب، وإنما باعتبارها نهاية لمسار إداري وقانوني يبدأ من تحديد السن والهوية، ويمر عبر حماية القاصر والبحث عن أسرته وجمع المعلومات من السلطات المغربية، ثم فتح مسطرة فردية والاستماع إلى القاصر وتقييم مصلحته الفضلى، قبل اتخاذ القرار وتنفيذه وفقا للشروط القانونية.





