تنافس “البام” والأحرار.. هل انتهى زمن الأحزاب الإيديولوجية في الانتخابات المغربية؟

على غير عادة المحطات الانتخابية السابقة، حيث كان التنافس في الغالب بين الأحزاب الكلاسيكية أو المعروفة في قاموس العلوم السياسية بالأحزاب الجماهيرية أو الإيديولوجية وبين الأحزاب القريبة من السلطة، والتي تشتهر في الأدبيات السياسية بـ”الأحزاب الإدارية”، يعيش المشهد الحزبي تحولاً بنيوياً ببروز صراع انتخابي مبكر بين حزبين مشاركين في الحكومة ومعروفين بسياقات نشأتهما والأدوار التي جاءا من أجلها، وهما حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، مقابل ضعف حضور أحزاب تاريخية في السباق الانتخابي، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، وبشكل أقل حزب العدالة والتنمية.
وخلافاً للتجارب الانتخابية السابقة، سواء قبل أو بعد دستور 2011، حيث كانت القطبية الحزبية في الانتخابات تدار وفق منطق يمين ويسار، إيديولوجي أو إداري، فإن المحطة الانتخابية المقبلة، وقبل أسابيع من حلول موعدها، تعطي الانطباع بتراجع هذه الثنائية لفائدة ترتيب حزبي وانتخابي جديد تهيمن فيه المكونات الحزبية القريبة من بيئة الحكم والتكنوقراط.
وطيلة الفترة التي تلت استقلال المغرب، كانت الأحزاب الإديولوجية، خصوصاً اليسارية منها، دائمة الحضور القوي في المشهد الحزبي ومؤثرة في توازنات المؤسسات المنتخبة، والمثال الأبرز هنا هو حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان يفرض وجوده لكونه مكون أساسي في المعادلة السياسية وفاعل أساسي في الساحة السياسية والانتخابية، وحتى الاحتجاجية، ما كان يجعله بشكل مستمر منافسا على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية وتصدر الانتخابات التشريعية.
وفي التجربة الحديثة، يبرز حزب العدالة والتنمية، الذي يقدم نفسه على أنه نابع من المجتمع ومتبني للمرجعية الإسلامية كأساس لمشروعه السياسي والمجتمعي، حيث استطاع أن يفرض وجوه الميداني في الانتخابات التشريعية منذ بداية الألفية، إلا أنه منذ سنة 2011، التي تم فيها اعتماد دستور جديد للمغرب، ظهر كأحد أبرز القوى السياسية في الانتخابات التشريعية، مقابل منافسين سياسيين من منطلقات مختلفة؛ وهما حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث واجه حزب “المصباح” حزب “الجرار” في تجربتين انتخابيتين وهما تجربة 2012 و2016، ثم تبارز مع حزب التجمع الوطني للأحرار في الساحة الانتخابية في استحقاقات شتنبر 2021.
وفي مقابل هذا الواقع الانتخابي المغربي، الذي اتسم في معظم محطاته التاريخية، بالمواجهة بين الأحزاب الكلاسيكية ذات المرجعية والإيديولوجيا و”الأحزاب الإدارية”، بدأ واقع حزبي جديد يتشكل، خصوصاً في الانتخابات التشريعية، المزمع تنظيمها في الـ23 من شتنبر المقبل، حيث تبرز جميع المعطيات الميدانية والسياسية أن المواجهة والصراع سيكون بين الحليفين في الحكومة، وهما حزبا الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، في وقت يظهر أن الأحزاب ذات المرجعية تحاول إعادة ترتيب موقعها داخل المشهد السياسي وتعزيز حضورها في مؤسسة البرلمان.
وتقتصر هذه التحولات على التجربة السياسية والحزبية والانتخابية المغربية فقط، فبالانتقال إلى تجارب دول مجاورة، ولعل أقربها هي التجربة الإسبانية، نجد أن الإيديولوجيا ما تزال حاضرة في رسم الخريطة السياسية وتحديد التوازنات داخل المؤسسات المنتخبة، خصوصا بين تيارات اليمين واليسار الإسبانية، وهو ما انعكس في أزمة الهجرة والعبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، خلافاً للمشهد السياسي المغربي، الذي لم تعد تؤثر فيه الإيديولوجيا بشكل كبير، في تحديد المواقف والتموقعات والتحالفات.
وعند استضافته في مؤسسة الفقيه التطواني، الإثنين المنصرم، رفض رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، وصف الحزب الذي يقوده بـ”الحزب الإداري”، معتبراً أنه “في ذلك اختزال للحزب، ولن أقبله في هذه اللحظة، بحكم أن حزب الأحرار ساهم في تجربة التناوب التوافقي وفي إنقاذ حكومة العدالة والتنمية، حزبنا اليوم له ثقافة وديمقراطية الإنجاز”.
وأضاف شوكي أنه “إذا كان التنافس بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة في الانتخابات التشريعية المقبلة، ففي ذلك إنصاف للتجربة الحكومية”، مشيراً إلى أنه “بقاء الحزبين الحليفين في الحكومة ضمن الأكثر قربا للفوز في الانتخابات فهذا إنصاف لتجربتها في الحكومة”.
القطبية المجالية عوض الإيديلوجيا
مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا الاجتماعية والسياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، قال إن “هذا التصنيف النظري للأحزاب الإدارية وأحزاب المناضلين أو الأحزاب الوطنية تم تجاوزه لعلةٍ يبدو أن جميع الباحثين الأكاديميين يتفقون عليها، من حيث أنه ما بعد حكومة التناوب، الصراع على السلطة لم يعد الأساس الذي تبنى عليه الحركة النضالية الحزبية؛ بمعنى أنه وقع التوافق ما بين فاعلي المشهد الحزبي وعلاقتهم مع الدولة حول الحد الأدنى من الممارسات السياسية التي يمكن اعتمادها للانتقال من مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة المنافسة على المشاركة فيها”.
وأضاف اليحياوي، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الذي يميز الظاهرة الحزبية في علاقتها مع الانتخابات، على الأقل ما بعد حراك 20 فبراير أو ما بعد الوثيقة الدستورية لعام 2011، هو أنه أفرزت قطبية مجالية تجعل من المنافسة الانتخابية غير آبهة بالمنافسة الأيديولوجية، مشيراً إلى أن هذا الأمر سيتأكد مع ظهور ما يسمى بوثيقة النموذج التنموي الجديد في 2021، حيث ستُفرز أيضاً دينامية انتخابية مبنية على الحق في التنمية.
معنى هذا الكلام، حسب الأستذا الجامعي أن الأحزاب، خصوصاً ما بعد 2016، قد دعمت ظاهرة هي التنافس حول شبكات ذوي النفوذ المحلي؛ إذ لم نعد نتحدث عن المناضل الحزبي، بل أصبحنا نتحدث عن “البروفايل” الذي بإمكانه التعبئة الاجتماعية حوله انطلاقاً من القدرة على نسج شبكات العلاقات وانطلاقاً من فرضية القرب الجغرافي، لتصبح جدوى التعبئة أو جدوى التنشئة الحزبية لم تعد رهاناً انتخابياً بإمكان الأحزاب أن تراهن عليه.
ولا تختزل قراءة اليحياوي ذووا النفوذ الجغرافي في أعيان الانتخابات، مشددا: “أنا ضد اختزال هذه الشبكات وهذه البروفايلات في الأعيان بالمفهوم التقليدي؛ لأن الأبحاث الميدانية التي اشتغلت عليها على 537 جماعة في المغرب ما بين 2023 و2024 تؤكد أن الأعيان أصبحوا أقل حجماً مما كنا نوظفه في سرديات المرافاعات التقليدية في علم السياسة”.
وتابع الأكاديمي عينه أن “ذوو النفوذ قد يكونون مثلاً شاباً حاصلاً على الإجازة ينتمي لدوار معين، يلجأ لفرص الديمقراطية التشاركية وينشئ جمعية ويعبئ لها شبكات العلاقات العائلية، وينتج أثراً اجتماعياً في تزويد الماء الصالح للشرب أو الكهرباء، فيصبح له وضع الوسيط الاجتماعي الذي تستعين به السلطة والأحزاب وقت التعبئة الاجتماعية”.
وعن التحولات التي يعرفها المشهد الحزبي بالمغرب، أشار اليحياوي إلى أن المسار الانتخابي ينزاح بالتدرج من تصور يقوم على التمثّل التقليدي للحركة الحزبية بالمغرب (أي النضال الديمقراطي)، إلى مرحلة أخرى هي البحث عن مسارات تؤمن بلوغ “الحق في التنمية”، وبالتالي الخروج من براديغم قائم على الانتقال الديمقراطي والدخول في براديغم “الحق في التنمية”.
العزوف يغذي حضور أحزاب الإدارة
من جهته، قال الأستاذ الجامعي في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجماعة القاضي عياض بمراكش، إن “المسألة مرتبطة بتحول في منظمات الوساطة بشكل عام؛ الأحزاب والنقابات”، مبرزاً أن “الذي نلاحظه اليوم هو أن هذه المنظمات لم تعد مصدر ثقة، يعني أن المواطن بشكل عام لم تعد له الثقة فيها، لأن المنافسة الآن التي تتم بين هذه الأحزاب التي توصف غالباً بالأحزاب الإدارية، هي تنافس على ما تبقى من الراغبين في التصويت وفي المشاركة في الحياة السياسية، يعني أنها ليست منافسة على القاعدة الجماهيرية العامة، وإنما هي تنافس على فئة معينة هي البقية الباقية التي تشارك في الانتخابات؛ إما لأسباب مبدئية، وإما لأسباب قبلية، وإما لأسباب مادية”.
وتابع العلام، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن النسبة العامة أو النسبة الكبيرة من المواطنين، فيبدو أنهم عزوف عن المشاركة في الانتخابات، أو مقاطعون لها، أو غير مبالين بها؛ فهذه التصنيفات الثلاثة (العزوف، المقاطعة، اللامبالاة) كلها تنطبق على فئاتها المعنية، مبرزاً أن هذا التقاطب بين الأحرار والأصالة والمعاصرة يؤشر على أزمة في الحياة السياسية المغربية.
وفي تحليله لهذه التوازنات الجديدة والسياق الذي أدى إليها، أوضح الأكاديمي عينه أنه سنة 1996، عندما كنا سنصل إلى السكتة القلبية على حد تعبير، الراحل الحسن الثاني، جاء الاتحاد الاشتراكي وأحزاب الكتلة وأنقذوا المغرب من هذه السكتة القلبية، على الأقل في المجال السياسي، وعُدنا لنشهد اهتمام المواطنين بالانتخابات، أما في سنة 2002، فقد وقع ما وصفه الاتحاد الاشتراكي بالانقلاب على المنهجية الديمقراطية، ووصلنا إلى مرحلة 2007 وشهدنا نسبة مشاركة كارثية وضعيفة جداً، إذ لم تتجاوز 37 في المئة من المسجلين في اللوائح الانتخابية.
واستطرد العلام مستعرضا الوقائع التاريخية في تحليله لتغيرات المشهد الحزبي المغربي وموازين القوى داخله، مبرزاً أنه قبل نهاية ولاية حكومة عباس الفاسي جاءت موجة 20 فبراير والحراك العربي، وبدأنا نعود شيئاً فشيئاً للإهتمام بالحياة السياسية وبالانتماء للأحزاب السياسية، خاصة مع دخول فاعلين جدد للحياة السياسية ومن بينهم العدالة والتنمية واليسار نسبياً.
ومن هذا المنطلق، شدد الأستاذ الجامعي على أنه كلما كان العزوف كبيراً ويكون الاهتمام بالانتخابات ضعيفاً أو متراجعاً، فهنا يبدأ نوع من التوجس، وتبدأ إرهاصات أشياء غير إيجابية، مشيراً إلى أن هذا التنافس الذي يتم بين التجمع الوطني للأحرار و”البام” هو تنافس على البقية الباقية التي تهتم بالحياة السياسية، وربما هذا ليس في صالح الحياة السياسية.





