تكنولوجيا | سياسة

من حماية الشبكات إلى صناعة التكنولوجيا.. ماذا تعني الإشارة الملكية إلى الأمن السيبراني؟

من حماية الشبكات إلى صناعة التكنولوجيا.. ماذا تعني الإشارة الملكية إلى الأمن السيبراني؟

اعتبر أنس أبو الكلام، رئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية ورئيس مختبر البحث العلمي للتقنيات الذكية والمستدامة بجامعة القاضي عياض، أن إدراج الأمن السيبراني لأول مرة بهذا الوضوح ضمن الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش، إلى جانب الصناعات الدفاعية، يمثل تحولا استراتيجيا في مقاربة المملكة لمفهوم الأمن القومي، ويؤشر إلى انتقال هذا المجال من مجرد وظيفة تقنية لحماية الأنظمة المعلوماتية إلى قطاع سيادي قادر على الإسهام في التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقلالية التكنولوجية للمغرب.

وأوضح أبو الكلام، في قراءة له لدلالات مضامين الخطاب الملكي، أن الإشارة إلى الأمن السيبراني لا ينبغي فهمها باعتبارها استجابة ظرفية لتنامي الهجمات الإلكترونية، بل باعتبارها تعبيرا عن رؤية بعيدة المدى تجعل من الأمن الرقمي أحد أعمدة السيادة الوطنية الحديثة، إلى جانب الأمن الغذائي والطاقي والدفاعي.

وأضاف في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكتروية، أن الرسالة الملكية تؤكد أن الأمن السيبراني لم يعد يقتصر على حماية الشبكات والأنظمة المعلوماتية، بل أصبح رافعة استراتيجية لإنتاج الثروة، وخلق فرص الشغل، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز ثقة المواطنين والمقاولات والمؤسسات الوطنية والدولية، فضلا عن ترسيخ السيادة الرقمية وضمان استقلالية القرار الوطني في ظل التوسع المتواصل للاعتماد على التكنولوجيا والبيانات.

وأكد المتحدث أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات الدولية المتسارعة، حيث أصبحت الدول المتقدمة تعتبر الأمن السيبراني مكونا أساسيا من مكونات قوتها الاستراتيجية، ولم تعد تكتفي باقتناء الحلول الرقمية الجاهزة، بل توجه استثمارات ضخمة نحو البحث العلمي والتطوير، وتصنيع الحلول السيبرانية محليا، وتكوين الكفاءات الوطنية، ودعم الشركات المبتكرة القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

تحركات مغربية لترجمة الرؤية الملكية

وفي هذا السياق، سجل أبو الكلام أن المملكة شرعت بالفعل في تنزيل هذه الرؤية من خلال عدد من المبادرات العملية، من أبرزها مشروع المركز القاري لعمليات الأمن السيبراني (SOC)، الذي يرتقب أن يشكل منصة استراتيجية للرصد المستمر للتهديدات الرقمية، والكشف المبكر عن الهجمات الإلكترونية، والاستجابة السريعة للحوادث، إلى جانب تعزيز التعاون الاستباقي بين الدول الإفريقية لحماية بنياتها التحتية الحيوية.

كما أبرز أن المغرب عزز حضوره على المستويين الإفريقي والدولي، عبر انتخابه نائبا لرئيس الشبكة الإفريقية لهيئات الأمن السيبراني (ANCA)، فضلا عن مشاركته الفاعلة في المبادرات الرامية إلى تطوير القدرات الإفريقية في مجال الأمن الرقمي.

وأشار، في السياق ذاته، إلى مساهمة المملكة، بتوجيهات ملكية، في أشغال مجلس وزراء الأمن السيبراني العرب، والمشاركة في وضع اللبنات الأساسية للاستراتيجية العربية للأمن السيبراني، بما يعزز التعاون العربي المشترك في هذا المجال.

ويرى رئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية أن هذه المؤشرات تؤكد أن المغرب لم يعد ينظر إلى الأمن السيبراني باعتباره آلية لحماية مصالحه الداخلية فقط، وإنما يعمل على ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي وقاري في الأمن الرقمي والسيادة التكنولوجية.

من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج للحلول

وأكد أبو الكلام أن التوجيه الملكي يفتح أمام المغرب آفاق مرحلة جديدة قوامها الانتقال من موقع مستهلك للتكنولوجيا إلى موقع منتج ومطور للحلول الرقمية والسيبرانية، مبرزا أن عددا من المجالات تفرض نفسها كأولويات خلال المرحلة المقبلة.

وأوضح أن هذه المجالات تشمل تطوير منصات كشف الهجمات السيبرانية والاستجابة لها، وتعزيز حلول حماية البنيات التحتية الحيوية، والاستثمار في تقنيات تشفير البيانات والأمن ما بعد الحوسبة الكمية، إلى جانب أمن الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية، وأمن شبكات الجيلين الخامس والسادس، والأنظمة المدمجة والطائرات بدون طيار والأجهزة المتصلة، فضلا عن إحداث مراكز بيانات وطنية ذات سيادة، وتكوين كفاءات متخصصة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.

وأضاف أن هذا التوجه يمثل فرصة لبناء منظومة وطنية متكاملة للابتكار، تجمع بين الجامعات ومختبرات البحث العلمي والمقاولات الناشئة والقطاع الصناعي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يسمح بتحويل نتائج البحث العلمي إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة قابلة للتسويق داخل المغرب وخارجه.

رهانات اقتصادية وفرص استثمارية

ومن الجانب الاقتصادي، اعتبر أبو الكلام أن المغرب يوجد أمام فرصة واعدة للاستفادة من النمو المتسارع الذي يشهده سوق الأمن السيبراني العالمي، في ظل الارتفاع غير المسبوق للهجمات الإلكترونية وتصاعد التنافس الجيوسياسي حول التكنولوجيا والبيانات.

وأوضح أن الموقع الجغرافي للمملكة، واستقرارها السياسي، وشبكة شراكاتها الدولية، وتطور قاعدتها الصناعية، كلها عوامل تؤهلها للاستفادة من هذه الدينامية، مشيرا إلى أن تزايد استهداف المؤسسات والبنيات التحتية يفرض الاستثمار في القدرات الوطنية، ليس فقط باعتباره ضرورة أمنية، بل أيضا كفرصة اقتصادية لتطوير حلول سيبرانية مغربية تستجيب لحاجيات السوق الوطنية والإفريقية.

دعوة إلى استراتيجية صناعية متكاملة

وشدد الخبير على أن نجاح هذه الرؤية يظل مرتبطا باتخاذ مجموعة من الإجراءات العملية، في مقدمتها التنزيل الفعلي للاستراتيجيات الوطنية، وعلى رأسها “المغرب الرقمي 2030” ومبادرة “الذكاء الاصطناعي صنع في المغرب” والاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني.

كما دعا إلى إعداد استراتيجية وطنية خاصة بالصناعة السيبرانية تحدد الأولويات والقطاعات المستهدفة ومؤشرات الأداء، وتعزيز الاستثمار في البحث العلمي والتطوير داخل الجامعات ومراكز البحث، ودعم المقاولات المغربية العاملة في هذا المجال عبر التمويل والمواكبة، وإحداث صناديق استثمار متخصصة في الابتكار السيبراني.

وأكد كذلك أهمية اعتماد سياسة للشراء العمومي تشجع اللجوء إلى الحلول الوطنية متى استوفت معايير الجودة والأمن، إلى جانب تطوير برامج تكوين وشهادات احترافية لمعالجة الخصاص في الكفاءات، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الأكاديمية، ودعم تصدير الحلول المغربية نحو الأسواق الإفريقية التي تعرف طلبا متزايدا على خدمات الأمن الرقمي.

رهان كأس العالم 2030

وربط أبو الكلام بين هذا التوجه والاستعدادات الوطنية لاستضافة كأس العالم 2030، معتبرا أن حماية البنيات التحتية الرقمية وشبكات النقل والطاقة والاتصالات والخدمات المالية والمنصات الحكومية ستصبح أولوية استراتيجية خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن هذا الواقع يستدعي بناء منظومة وطنية متقدمة للأمن السيبراني، يكون جزء مهم من مكوناتها مصمما ومطورا داخل المغرب، بما يضمن حماية المنشآت الحيوية ويعزز استقلالية المملكة في هذا المجال.

وختم رئيس الجمعية المغربية للثقة الرقمية بالقول إن التوجيه الملكي المتعلق بإقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية في مجال الأمن السيبراني يؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنمية الوطنية، ينتقل فيها هذا القطاع من وظيفة دفاعية إلى رافعة استراتيجية للتصنيع والابتكار والسيادة التكنولوجية والتصدير.

وأكد أن المغرب، إذا نجح في تعبئة كفاءاته الوطنية، وتعزيز البحث العلمي، وتحفيز الاستثمار، وبناء منظومة متكاملة للابتكار الصناعي والتكنولوجي، فإنه يمتلك كل المقومات ليصبح خلال السنوات المقبلة قطبا إقليميا رائدا في صناعة الأمن السيبراني، ليس فقط كمستهلك للتكنولوجيا، وإنما كمنتج ومصدر للحلول والخبرات على المستوى الإفريقي والعربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News