السلة المغربية.. من أمجاد “العصر الذهبي” إلى نفق الضياع والشلل

ظلت كرة السلة المغربية لسنوات طويلة مصدر فخر واعتزاز للرياضة الوطنية، وشاهدةً على أمجاد قارية وتألق لافت جعلها تحظى بمكانة خاصة في قلوب الجماهير؛ غير أن هذا الوهج لم يستمر طويلاً، إذ بدأت اللعبة بالتداعي والتهاوي تدريجياً مع توالي السنوات، لتغرق في نفق من الأزمات التسييرية والمالية التي شلّت شريان منافساتها وأفقدتها بريقها المعهود.
واليوم، أمام هذا الواقع المرير، يرفع المغرب سقف التحدي من جديد لإعادة “الكرة البرتقالية” إلى مكانها الطبيعي المستحق، من خلال إطلاق رؤية استراتيجية شجاعة تروم تجاوز أخطاء الماضي، وإعادة بناء المنظومة من القاعدة، وإحياء القاعات المغطاة لتستعيد السلة المغربية هيبتها الوطنية والقارية.
أمجاد الماضي.. عصر التوهج والقوة القارية
تُعد رياضة كرة السلة على الصعيد الوطني من الرياضات التي تمتلك تاريخاً غنياً؛ إذ أُنشئت أول بطولة محلية بالمغرب عام 1934، وعُرّفت منافساتها الرسمية عام 1935 تحت إشراف “الرابطة المغربية لكرة السلة” التابعة للاتحاد الفرنسي، وكان نادي سطاد المغربي أول من توج بلقب الدوري، تلاه فريق الراسينغ البيضاوي.
وشهد عام 1936 انضمام المغرب بشكل رسمي إلى الاتحاد الدولي لكرة السلة (FIBA)، وهو ما مهد لتأسيس الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة بعد الاستقلال، وتحديداً سنة 1956، لتتسلم منذ ذلك الحين إدارة اللعبة وتنظيم المنافسات الوطنية بشكل رسمي ومستقل.
وعرفت العقود الأولى بداية ازدهار هذه الرياضة؛ حيث بدأت تنتشر الأندية التي شكلت النواة الأولى للعبة، كالاتحاد الرياضي المغربي وسطاد المغربي، تلتها أندية مرجعية كـالفتح الرياضي، والوداد الرياضي، والمغرب الفاسي، والتي شكلت لاحقاً أعمدة العصر الذهبي للعبة.
كما عاشت كرة السلة المغربية أزهى فتراتها خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الأندية الوطنية كـالفتح الرياضي، والوداد البيضاوي، والمغرب الفاسي، والنادي القنيطري تشكل مشاتل حقيقية لتفريخ المواهب الفذة. وامتد هذا الوهج ليثمر إحراز المنتخب الوطني لقب كأس أمم إفريقيا عام 1965، إلى جانب تبوئه مراكز متقدمة في منافسات قارية مختلفة.
وحتى مع بداية الألفية الجديدة، ظلت بعض الأندية، وفي مقدمتها جمعية سلا، تخوض غمار المنافسات الإفريقية والعربية بكبرياء، محققة ألقاباً قارية ومقدمة عروضاً أبقت السلة المغربية في دائرة الضوء.
شرارة التراجع.. أزمات التسيير والتكوين
غير أنه مع توالي السنوات وتعاقب المسؤولين، بدأت السلة المغربية تفقد بريقها وتتراجع لصالح رياضات أخرى؛ ليبدأ مع هذا التراجع غياب المغرب عن منصات التتويج، وفقدان الدوريات المحلية لجاذبيتها وقدرتها على استقطاب الجماهير.
ولم يكن هذا التراجع وليد الصدفة، بل كان نتيجة تراكمات سنوات من الاختلالات الهيكلية؛ حيث غاب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، وتراجعت مراكز التكوين القاعدة بشكل ملحوظ، مما أدى إلى جفاف خزان المواهب الشابة القادرة على حمل المشعل.
ومع تغليب الحلول الترقيعية والمؤقتة على حساب بناء منظومة احترافية حقيقية، أصبحت الأندية تعاني من هشاشة مالية قاتلة، يعمقها غياب المستشهرين الدائمين وضغوط المصاريف اليومية.
وفي هذا السياق، سبق للمدير التقني للجامعة الملكية المغربية لكرة السلة، الإسباني ريكارد كاساس، أن أكد أن هذا القطاع بات يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لمنظومته، معتبراً أن التنظيم والتكوين يشكلان المدخل الأساسي للنهوض باللعبة.
وأوضح كاساس، في تصريحاته، أن إعادة تنظيم عدد من الجوانب أصبحت ضرورة ملحة لتطوير اللعبة وتحقيق قفزة نوعية، مضيفاً أن المغرب يتوفر على ثقافة راسخة في كرة السلة بفضل تاريخه العريق، وهو ما يمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها، مع التأكيد على أن المرحلة المقبلة تقتضي استعادة بعض المكتسبات وتطوير أخرى بما ينسجم مع متطلبات الممارسة الحديثة.
وشدد كاساس على أهمية التكوين، مبرزاً أن اللاعب المغربي يحتاج إلى برامج إعداد متطورة تساعده على ارتقاء مستواه، كما أن المدرب الوطني مطالب باكتساب معارف وأدوات حديثة تمكنه من مواكبة تطور اللعبة، داعياً إلى إيلاء اهتمام أكبر بالفئات العمرية التي تشكل محدودية منافساتها إحدى أبرز نقاط الضعف الواجب معالجتها.
وتتجلى الأزمة اليوم بأوضح صورها في توقف المنافسات الوطنية في أكثر من مناسبة لأسباب إدارية ومالية بحتة، إذ أضحت الأخبار المتعلقة بتعليق وتوقيف البطولات الوطنية بمختلف أقسامها وفئاتها خبراً متكرراً، نتيجة إكراهات تسديد الواجبات وتوقف دعم الشركاء.
ينضاف إلى ذلك الإشكالات اللوجستية والتحكيمية، مما أدى إلى حرمان اللعبة من أدنى شروط الممارسة الاحترافية الآمنة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جاهزية المنتخبات الوطنية في التصفيات القارية والإفريقية، وأفقدها القدرة على المنافسة أمام منتخبات صاعدة طوّرت منظومتها بشكل احترافي.
خريطة الطريق.. استراتيجية 2030 وأمل الإنقاذ
ولم تخفِ الجامعة أسفها من هذا الواقع الذي أضحت تعيشه السلة المغربية، مؤكدة في الوقت ذاته عزمها على الخروج من هذه الشرنقة عبر وضع التكوين القاعدة والتسيير العقلاني في صلب الأولويات، بعيداً عن الصراعات الهامشية، لإعادة الدفء إلى القاعات المغطاة واستعادة مكانة اللعبة وطنداً وقارياً.
وكشفت الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة، خلال الأسابيع الماضية، عن ملامح استراتيجية جديدة تروم إعادة هيكلة كرة السلة الوطنية وإخراجها من حالة الركود؛ حيث أكد رئيس الجامعة إدريس الشرايبي وأعضاء المكتب المديري أن المرحلة القادمة ستعرف مواصلة البحث عن موارد مالية إضافية لضمان تنفيذ مختلف الأوراش المبرمجة.
وأشار المصدر ذاته إلى أن رفع منحة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى 20 مليون درهم يشكل دفعة مهمة، غير أنه لا يكفي لتحقيق جميع الأهداف المسطرة، ما يستوجب تنويع مصادر التمويل لتحسين ترتيب المنتخب المغربي قارياً، والذي يحتل حالياً المركز الحادي والعشرين إفريقياً (ضمن المستوى الثاني)، الأمر الذي يفرض العمل على تطوير مستوى المنتخبات الوطنية والرفع من تنافسيتها.
وعن المشروع الوطني لتطوير الرياضة، كشف المكتب المديري أنه، في إطار وضع برنامج رؤية 2030، سيعتمد خمس أولويات أساسية يتقدمها: التكوين، واكتشاف المواهب، والاحتراف، والتثمين والترويج، وتحقيق الأداء، وذلك من خلال إطلاق الدوري المغربي الاحترافي لكرة السلة ابتداءً من موسم 2027-2028.





