لبنى برياق.. فنانة تصنع مسارها خارج القوالب الجاهزة

في وقت تتسابق فيه أسماء فنية كثيرة نحو الأنماط الموسيقية السريعة سعيا وراء الانتشار، اختارت الفنانة لبنى برياق أن تشق مسارا مختلفا، قوامه البحث عن هوية موسيقية خاصة تمزج بين الأصالة والحداثة، واضعة التعبير الصادق عن الذات فوق حسابات السوق والنجاح الآني.
وتؤكد لبنى، في حديثها لجريدة “مدار21″، أن اللون الموسيقي الذي اختارته منذ انطلاقتها لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية فنية واضحة، موضحة أن ما قدمته منذ بداياتها الغنائية إلى اليوم يقوم على المزج بين الموسيقى الأصيلة، المتأثرة بالمدارس الطربية، والموسيقى العصرية، مع إضفاء عنصر التجديد الذي يعبر عن هويتها الفنية ورؤيتها الخاصة في مجال التأليف.
وأشارت إلى أن هذا المزج لم يكن سهلا، إذ تطلب الكثير من الاجتهاد والتطور والصبر، مؤكدة في المقابل أنها لا تحب التسرع أو الخضوع لأنماط موسيقية جاهزة، وأن سعيها الدائم كان يتمثل في التعبير عن شخصيتها وإحساسها من خلال أغانيها، وتجسيد قضايا الإنسان ومشاعره بصدق، بعيدا عن الأهداف التجارية أو الإنتاج الموجه للاستهلاك السريع.
وتعتبر برياق أن رحلتها الفنية كانت، قبل كل شيء، رحلة لاكتشاف الذات والبحث عن إمكاناتها الإبداعية، إذ تقول إن هذه الرحلة مكنتها من معرفة ما يمكن أن تقدمه، سواء على مستوى المضمون أو الشكل، بإخلاص وحب وتقدير لهذه المهنة، بهدف تقديم فن هادف يرتقي بالإنسان ويعبر عنه بشفافية، مع مراعاة الذوق العام، ومخاطبة الجيل الجديد، ومواكبة تطورات الموسيقى الحديثة.
وتشير إلى أنها خلصت، في نهاية المطاف، إلى صياغة هويتها الموسيقية من خلال دمج عوالم متنوعة ومتباينة، تجمع بين العالم الغربي المنفتح، الذي يعبر بحرية أكبر عن الحداثة، وروح الموسيقى الشرقية التي تخاطب الأرواح والمشاعر والنفس البشرية، إلى جانب عناصر الخيال والفانتازيا.
ورغم ما راكمته من تجارب، ترى لبنى أن رحلة البحث عن هويتها الموسيقية لا تزال متواصلة، إذ تؤكد: “لا أزال، إلى اليوم، أحاول جاهدة الوصول إلى لون موسيقي خاص بي، يعكس هويتي الأصيلة في هذا المجال، ويعبر عني، ليكون رمزا يجسد حقيقتي ويصل إلى الجمهور بصدق أكبر”.
وعن خيارها بعدم الانجراف وراء الأنماط الموسيقية الرائجة، أوضحت لبنى أن ذلك كان قرارا واعيا اتخذته منذ البداية، مشيرة إلى أن عدم تفكيرها بهذه الطريقة دفعها إلى استثمار المزيد من الوقت والجهد في مسيرتها الفنية.
وأضافت أنها لم تحاول مجاراة الموجات الغنائية التي كانت تطفو على الساحة الفنية بين الحين والآخر، لأن أسلوبها في التفكير واختيارها الواعي كانا منصبين على صناعة مسار موسيقي خاص يشبهها، ويعبر عن أصالتها وأفكارها الفردية، بصورة متفردة لا تشبه أحدا.
ولا تخفي لبنى أن هذا الخيار الفني يفرض تحديات كبيرة، لكنه ينسجم مع قناعاتها ورؤيتها الخاصة للموسيقى، مؤكدة أن هذا الطريق ليس سهلا، بل يتطلب صبرا وعملا دؤوبا وإيمانا طويل الأمد، دون فقدان الأمل، لأنها تشق لنفسها مسارا جديدا يعبر عن اسمها ويجسد هويتها ورؤيتها الفنية الخاصة.
وتضيف أنها رغم كل التحديات، تواصل العمل وفق إمكانياتها الحالية، وتسعى باستمرار إلى تطوير نفسها، والارتقاء بإنتاجها الموسيقي، وصقل أسلوبها في التعبير على جميع المستويات.
وبموازاة ذلك، تستعد برياق لإطلاق أعمال جديدة تعكس هذا التوجه الفني، إذ تعمل حاليا على ألبوم صغير يضم ثلاث أغانٍ تنتمي إلى لون موسيقي جديد لم يسبق لها تقديمه، مؤكدة عزمها على مواصلة اعتماد هذا الأسلوب الموسيقي في أعمالها المقبلة.
وتصف لبنى هذه الأعمال المرتقبة بأنها محطة مختلفة في مسارها الإبداعي، إذ ترى أن هذه الأغاني تمثل تحديا ومغامرة جديدة، خرجت من خلالها من منطقة الراحة إلى عالم أرحب، وإن كان أكثر تحديا. وتعتقد أنها اليوم باتت تمتلك شخصية أكثر نضجا وصلابة فكرية ونفسية، ما يتيح لها التوسع والانتشار من خلال أعمالها الجديدة وهويتها الفنية الأصيلة، التي لم تصل إليها بسهولة، بل كانت ثمرة رحلة من معرفة الذات واكتشاف آفاقها الداخلية، متوقعة أن تشكل هذه الأعمال مصدر إلهام للآخرين، وتشجعهم على التغيير وعلى أن يكونوا ذواتهم الحقيقية مهما تعددت الخسارات.
وعلى مستوى العروض الحية، تسعى برياق إلى تعزيز حضورها على خشبة المسرح خلال المرحلة المقبلة، إذ ستحيي حفلها المقبل، الذي يندرج ضمن برمجة مدعومة من مؤسسات ثقافية وفنية تُعنى بدعم الفنانين الصاعدين، مؤكدة أن هذا المجال ليس سهلا، خاصة أنها تعتمد على نفسها ومجهودها الشخصي، دون جهة تشرف على إنتاج أعمالها.
وفي هذا السياق، تستعد لبنى للقاء جمهورها في حفل جديد بمدينة طنجة، يوم السبت 11 يوليوز 2026 على الساعة الثامنة مساء، بالمركز الثقافي “داباتيك”، الذي يعد مؤسسة وفضاء ثقافيا متعدد التخصصات في مدينة طنجة.
وتضيف أن هذا الحفل يعد الثاني لها بعد مشاركتها السابقة التي أُقيمت بالمتحف الأمريكي، بدعم من المركز الأمريكي بطنجة، إذ أوضحت أنه كان أول لقاء حقيقي لها مع جمهورها كفنانة مؤلفة تؤدي أغانيها الأصلية على الخشبة، بعد مسيرة طويلة في مجال الصناعة الموسيقية والإنتاج المستقل.
وأضافت أنها قامت منذ سنة 2021 بإنتاج ثمان أغانٍ أصلية، انطلاقا من أغنية “مهما نقول” وصولا إلى آخر أعمالها “لن أنساك يا جدي”، التي ألفتها وأدتها بشراكة مع شركة “قناديل للإنتاج” ضمن الفيلم الوثائقي الطويل “لن أنساك”، من إنتاج قناة “الجزيرة الوثائقية”، والمتوفرة حاليا على قناتها الرسمية على يوتيوب “لبنى برياق”.
وعن تفاصيل البرنامج الفني الذي ستقدمه خلال هذه السهرة، كشفت برياق أنها ستقدم لجمهورها باقة من الأغاني، تأخذهم في رحلة موسيقية تمزج بين حداثة الغرب وسحر الشرق، في عالم يطغى عليه طابع الفانتازيا، من خلال مجموعة من الأعمال، تضم أغانيها الأصلية مثل “مهما نقول”، “آه يا غالي”، و”ليلة بيضا”.
إلى جانب ذلك، ستقدم لبنى مجموعة من الأغاني المغاربية المحبوبة والمعروفة، انطلاقا من التراث المغربي الخالد بأغنية “بنت بلادي” للفنان الراحل عبد الصادق شقارة، مرورا بتونس من خلال أغنية “لاموني اللي غاروا مني”، من أشهر روائع الموسيقى التونسية، التي لحنها وغناها الفنان التونسي الهادي الجويني، وكتب كلماتها الشاعر بشير فهمي فحيمة، وقد أعاد أداءها مجموعة من فناني الطرب، من بينهم الفنان لطفي بوشناق.
وستعبر لبنى فنيا إلى الجزائر بأغنية “يا رايح وين مسافر”، واحدة من أشهر الأغاني الجزائرية التراثية التي اكتسبت شهرة مضاعفة بعد أن أعاد غناءها الفنان الراحل رشيد طه بتوزيع موسيقي جديد، وبالإضافة إلى ذلك، كشفت لبنى أنها ستقدم أغانٍ أخرى بتوزيع موسيقي جديد يجمع بين روح الموسيقى الشرقية واللمسات الغربية الحديثة، إلى جانب لمسات استعراضية أخرى، مثل الرقص على الخشبة على إيقاعات مختلفة، لتأخذ الجمهور في أجواء غنائية مليئة بالإحساس والإبداع ولحظات لا تُنسى، بحسب تعبيرها.
وأفصحت لبنى أن عددا من الموسيقيين سيرافقونها في هذا العرض لإضفاء تنوع أكبر على التجربة الموسيقية، مضيفة في حديثها للجريدة، إلى أنه سيرافقها خلال السهرة المقبلة كل من العازف على آلة القيتار زكرياء عباسي، بينما يشاركها على الآلات الإيقاعية الفنان حمزة شولي، والفنان منتصر الزريوي على آلة البيانو.







