منظمة: 35% من توصيات مجلس الحسابات حبر على ورق ويجب توسيع رقابة المال العام

أكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 يشكل محطة دستورية ومؤسساتية بالغة الأهمية في تكريس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، داعية إلى تعزيز تفعيل توصيات المجلس وتوسيع آليات مراقبة الأموال العمومية لتشمل مختلف الهيئات المستفيدة من الدعم العمومي.
وجاء ذلك ضمن مذكرة تفاعلية أعدتها المنظمة مع التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الصادر تطبيقا لمقتضيات الفصل 148 من الدستور وأحكام القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، والذي نُشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 يناير 2026، قبل عرض مضامينه الأساسية أمام غرفتي البرلمان يوم 3 فبراير من السنة نفسها.
وأوضحت المنظمة أن قراءتها للتقرير تأتي في ظل سياق سياسي واقتصادي واجتماعي دقيق تمر منه البلاد، ومن منطلق الاهتمام بمدى فعلية السياسات العمومية في تجسيد الحقوق بمفهومها الشامل، مشيرة إلى أن مذكرتها انقسمت إلى ثلاثة أجزاء تناولت الملاحظات العامة المرتبطة بسياق إعداد التقرير، والأعمال ذات الصلة بتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ثم الجوانب المتعلقة بتجويد التدبير العمومي وتتبع أوراش الإصلاح الكبرى.
وشددت المنظمة على أهمية اللحظة الدستورية المرتبطة بإعداد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات وعرضه على المؤسسات المعنية ونشره في الجريدة الرسمية، معتبرة أن ما يتضمنه من خلاصات وتوصيات وقرارات يساهم في تعزيز دور المؤسسات الوطنية وترسيخ قيم الحكامة الجيدة في التدبير العمومي.
وأكدت أن أعمال المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات في مجالات التدقيق والتحقيق والبث في الحسابات والتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية وتتبع التصريح الإجباري بالممتلكات وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية وتقييم المشاريع والبرامج العمومية أصبحت ذات أثر ملموس على تجويد أداء التدبير العمومي وعلى امتثال مختلف الملزمين للمقتضيات القانونية المنظمة للعمليات المالية.
وفي المقابل، اعتبرت المنظمة أن هذا التطور لا يزال يحتاج إلى مجهودات إضافية لضمان تجاوب أكبر مع توصيات المجلس من طرف مختلف الجهات المعنية، وحماية مصالح الأجهزة العمومية وتعزيز المقاربة الوقائية وترسيخ البعد البيداغوجي في تخليق الحياة العامة وتكريس سمو القوانين والتشريعات ذات الصلة.
كما ثمنت الحضور الدولي للمجلس الأعلى للحسابات ومساهماته في المنتديات الإقليمية والدولية الخاصة بالرقابة المالية والمحاسبة، مشيرة إلى تعزيز موقع المغرب داخل الأجهزة التقريرية والتنفيذية للمنظمات الدولية والإفريقية والعربية المختصة، فضلا عن اضطلاعه بمهمة مراجعة وتدقيق حسابات الاتحاد الإفريقي وعدد من المؤسسات القارية، وهو ما اعتبرته المنظمة دليلا على الثقة التي تحظى بها التجربة المغربية على المستوى الدولي.
ودعت في هذا السياق إلى توفير الإمكانات البشرية واللوجستية الكفيلة بمواكبة الانفتاح الدولي للمجلس الأعلى للحسابات وتعزيز قدرات العاملين به لمواجهة التحديات الجديدة المرتبطة بالمراقبة العليا للمالية العمومية.
وفي الجانب التواصلي، سجلت المنظمة بإيجابية انخراط المجلس في نشر تقاريره السنوية وتقارير تنفيذ قوانين المالية وتقارير تدقيق حسابات الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية عبر موقعه الإلكتروني، لكنها تساءلت في المقابل عن أسباب توقف إصدار التقارير الخاصة والموضوعاتية والمذكرات الاستعجالية خلال السنوات الخمس الأخيرة، مشيرة إلى أن المجلس لم ينشر بين سنتي 2021 و2025 سوى تقرير موضوعاتي واحد يتعلق بالجهوية المتقدمة.
وأكدت أن التحول الرقمي وما يتيحه من إمكانات يفرض تعزيز الحق في الحصول على المعلومة ونشر المعطيات الموثوقة بما يساهم في ترسيخ ثقافة التقييم والمساءلة وتعميم الممارسات الفضلى في التدبير العمومي.
كما سجلت المنظمة أن عرض التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات تزامن مع اختتام الدورة الخريفية للسنة التشريعية 2025-2026 واقتراب الاستعدادات للاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر 2026، معتبرة أن هذا التوقيت قلل من أثر التقرير في النقاش العمومي وفي أداء المؤسسة البرلمانية لوظائفها الرقابية والتشريعية والتقييمية.
وفي ما يتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، نوهت المنظمة بالمكانة التي أصبح يحتلها المغرب على المستوى الدولي في مجال مراقبة تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، وفقا لمعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
وأشادت بانخراط الأحزاب السياسية في مسطرة تدقيق الحسابات السنوية وفحص صحة النفقات المرتبطة بالدعم العمومي، موضحة أن 27 حزبا من أصل 33 قدمت حساباتها السنوية للمجلس الأعلى للحسابات، وأن 23 حسابا منها حظيت بشهادة خبراء محاسبين.
وكشفت المعطيات الواردة في التقرير أن المبالغ التي أرجعتها الأحزاب السياسية خلال سنوات 2022 و2023 و2024 تراوحت بين 3300 درهم كحد أدنى و12 مليون درهم كحد أقصى، فيما تمكن 24 حزبا إلى حدود يناير 2026 من إرجاع أكثر من 36,03 مليون درهم من مبالغ الدعم غير المستعملة أو غير المستحقة أو غير المبررة، في حين لا يزال مبلغ إجمالي يناهز 21,85 مليون درهم، يخص 14 حزبا، غير مسترجع إلى خزينة الدولة.
وأفادت المنظمة بأن مجموع الموارد المصرح بها من طرف 27 حزبا بلغ نحو 104,97 ملايين درهم خلال سنة 2023، معتبرة أن هذه الموارد تبقى متواضعة بالنظر إلى حجم المهام المنوطة بالأحزاب في تأطير المواطنين وتنشيط الحياة السياسية.
ولفتت إلى استمرار اعتماد الأحزاب المغربية بشكل كبير على التمويل العمومي، الذي يمثل 58 في المئة من مجموع الموارد بما يفوق 60,48 مليون درهم، مقابل 44,49 مليون درهم فقط من التمويل الذاتي.
ودعت المنظمة إلى ربط مختلف أشكال الدعم العمومي الموجه للأحزاب والنقابات والجمعيات بالشفافية والمراقبة الدقيقة لطرق صرف الأموال العمومية، مطالبة بتوسيع آليات تدقيق الحسابات لتشمل الهيئات النقابية ومنظمات المجتمع المدني المستفيدة من الدعم العمومي، على غرار ما هو معمول به بالنسبة للأحزاب السياسية.
وفي محور تتبع تنفيذ توصيات المجلس الأعلى للحسابات، سجلت المنظمة استمرار تعثر تنفيذ عدد مهم من التوصيات الصادرة عن المهام الرقابية المنجزة بين سنتي 2019 و2023، إذ لم يسجل أي تقدم في تنفيذ 37 في المئة من التوصيات المنقولة من السنوات الماضية، رغم ارتباطها بقطاعات استراتيجية وأوراش كبرى ذات أثر مباشر على الاقتصاد الوطني والتوازنات المالية.
وأظهرت المعطيات أن المجلس الأعلى للحسابات تتبع تنفيذ 980 توصية ناتجة عن 114 مهمة رقابية، حيث تم تنفيذ 18 في المئة منها بشكل كلي و47 في المئة بشكل جزئي، بينما لم يتم الشروع في تنفيذ 35 في المئة من التوصيات.
أما على مستوى المجالس الجهوية للحسابات، فقد شملت عملية التتبع 1353 توصية مرتبطة بـ109 مهام رقابية، نُفذ منها 45 في المئة بشكل كامل و43 في المئة بشكل جزئي، في حين لم يتم إطلاق تنفيذ 12 في المئة منها.
ورغم مراعاة الإكراهات المرتبطة بالتوصيات ذات الطابع الاستراتيجي أو المؤسساتي، اعتبرت المنظمة أن الحصيلة العامة تبقى دون المستوى المطلوب، مشيرة إلى أن الرصيد المرحل للتوصيات التي ما تزال قيد التنفيذ أو لم يبدأ العمل بها بلغ 872 توصية خلال الفترة 2024-2025.
وأكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن التوصيات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات تكتسي طابعا خاصا يستمد مشروعيته من المقتضيات الدستورية التي تجعل من المجلس هيئة عليا للرقابة المالية، وهو ما يقتضي التزام مختلف القطاعات والمؤسسات والأفراد المعنيين بتنفيذها وترتيب الآثار القانونية اللازمة في حالة الإخلال بها.
كما دعت إلى إصدار تقارير سنوية مستقلة تتعلق حصريا بتتبع تنفيذ توصيات المجلس الأعلى للحسابات، بما يشكل آلية إضافية لليقظة والتتبع وحث مختلف المؤسسات على الانخراط الفعلي في تنزيل الإصلاحات الموصى بها.
وطالبت كذلك باعتماد أجندة زمنية واضحة لتنفيذ التوصيات وفق آجال معقولة ومتوافق بشأنها بين المجلس والقطاعات المعنية، مع التمييز بين التوصيات ذات الطابع التوجيهي العام وتلك التي تكتسي صبغة إلزامية قد يؤدي الإخلال بها إلى المساس بحقوق الدولة أو الأفراد أو إلى الإضرار بالحكامة المرفقية.







